حرية
أعاد اجتماع كبار مسؤولي قطاع الشحن البحري في أثينا تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا حساسية في التجارة العالمية، وهي مستقبل الملاحة عبر مضيق هرمز بعد أشهر من التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران. فبالرغم من الحديث المتزايد عن إمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي أو تمديد لوقف إطلاق النار، تؤكد شركات الشحن أن عودة السفن إلى العمل بصورة طبيعية لا ترتبط بالاتفاقات السياسية وحدها، بل تحتاج إلى قواعد تشغيلية واضحة تضمن سلامة الملاحة وتحدد المسؤوليات والإجراءات بشكل دقيق.
وخلال مؤتمر “كابيتال لينك” ومعرض “بوسيدونيا” للشحن البحري، شدد مسؤولون تنفيذيون على أن الصناعة البحرية ما زالت تنظر إلى منطقة الخليج بوصفها منطقة مرتفعة المخاطر، وأن مجرد الإعلان عن اتفاق بين واشنطن وطهران لن يكون كافياً لإعادة حركة السفن إلى مستوياتها الطبيعية ما لم يترافق مع آليات واضحة لعبور السفن التجارية وضمانات أمنية معترف بها دولياً.
أزمة تتجاوز السياسة إلى الاقتصاد
تصريحات رئيس شركة “هايدمار ماريتايم” بانكاغ خانا كشفت جانباً مهماً من الأزمة، إذ أشار إلى وجود سفينة تابعة لشركته عالقة داخل الخليج منذ ثلاثة أشهر، ما يعكس حجم التعقيدات التشغيلية التي واجهتها شركات النقل البحري خلال فترة التوتر. فتعطل حركة السفن لا يعني فقط خسائر مالية، بل ينعكس أيضاً على أطقم البحارة الذين وجد بعضهم أنفسهم بعيدين عن عائلاتهم لفترات طويلة نتيجة القيود الأمنية وتعقيدات المرور.
ويؤكد ذلك أن أزمة مضيق هرمز لم تعد مجرد قضية أمنية أو عسكرية، بل تحولت إلى أزمة لوجستية وإنسانية تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية وحركة التجارة الدولية.
التأمين وحده لا يحل المشكلة
ورغم استمرار شركات التأمين في توفير التغطية لبعض الرحلات البحرية، فإن قادة القطاع يرون أن وجود التأمين لا يعني بالضرورة أن الطريق أصبح آمناً. فالتأمين يعوض الخسائر المحتملة، لكنه لا يزيل المخاطر الميدانية المرتبطة بالمرور في منطقة تشهد توترات عسكرية متقطعة.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس التنفيذي لشركة “سنتروفين مانجمنت” يانييس بروكوبيو أن القطاع ما زال يفتقر إلى قواعد واضحة تنظم التعامل مع الطرفين الرئيسيين في الأزمة، الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الملاحة في الظروف الحالية ما تزال تنطوي على مخاطر مرتفعة لا يمكن تجاهلها.
انعكاسات مباشرة على العراق
بالنسبة للعراق، فإن استقرار الملاحة في مضيق هرمز يحمل أهمية استثنائية، إذ تمر غالبية صادراته النفطية ووارداته التجارية عبر هذا الممر الحيوي. وقد جاء وصول أول سفينة صينية مباشرة إلى ميناء أم قصر بعد استئناف الملاحة عبر المضيق مؤشراً أولياً على عودة النشاط التجاري، إلا أن استمرار هذه العودة يبقى مرهوناً بمدى قدرة الأطراف الدولية على تثبيت قواعد دائمة وآمنة للملاحة.
كما أن أي تأخير أو اضطراب جديد في حركة السفن سيؤثر مباشرة على تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع المستوردة، فضلاً عن صادرات النفط التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد العراقي.
ماذا بعد؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الأسواق العالمية وشركات الشحن لا تنتظر فقط اتفاقاً سياسياً بين واشنطن وطهران، بل تبحث عن مرحلة جديدة من الاستقرار البحري تتضمن ممرات آمنة وتعليمات تشغيل واضحة وضمانات قانونية وأمنية طويلة الأمد.
لذلك يمكن القول إن التحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع اتفاق سلام أو تمديد هدنة، بل في تحويل هذا الاتفاق إلى منظومة عملية تسمح للسفن وشركات التأمين والموانئ بالعمل بثقة. فبدون هذه الضمانات ستبقى حركة الملاحة في مضيق هرمز رهينة الحذر، حتى وإن توقفت المواجهات العسكرية مؤقتاً.






