حرية
لم يكن إعلان الحكومة العراقية رفع مستوى الجاهزية الأمنية والاستعداد القتالي، بالتزامن مع انتهاء المهلة التي منحتها فصائل مسلحة للحكومة لاتخاذ موقف من السعودية، مجرد إجراء احترازي اعتيادي، بل حمل رسائل سياسية وأمنية متعددة، في لحظة تعد من أكثر اللحظات حساسية منذ بدء الحكومة تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة.
وبينما تحدثت مصادر عن تجميد الفصائل قرارها بالرد “مؤقتاً” وإرجائه بانتظار ما وصفته باستجابة سعودية تتمثل بالاعتذار ودفع التعويضات، جاء الرد الرسمي العراقي مختلفاً في اتجاهه؛ إذ لم يصدر أي موقف يتبنى تلك المطالب، بل ركز على رفع الجاهزية الأمنية وتعزيز استعداد القوات المسلحة، في إشارة فسّرها مراقبون على أنها تأكيد لاحتكار الدولة قرار الأمن والسلم.
ويبدو أن بغداد تحاول إدارة أزمة معقدة على مستويين؛ الأول خارجي، يتمثل في الحفاظ على العلاقات المتنامية مع السعودية، خاصة في ظل وجود ملفات اقتصادية واستثمارية ونفطية مشتركة، والثاني داخلي، يتعلق بمنع أي طرف مسلح من فرض معادلات جديدة خارج إطار الدولة أو جر العراق إلى مواجهة إقليمية لا تخدم مصالحه.
كما أن تراجع الفصائل عن تنفيذ تهديداتها بصورة فورية لا يعني انتهاء الأزمة، بل يعكس انتقالها إلى مرحلة جديدة تقوم على الضغط السياسي والإعلامي بدلاً من المواجهة المباشرة. فالإبقاء على خيار الرد قائماً، مع ربطه بشروط محددة، يعني أن التوتر لم يُطوَ بعد، وإنما دخل مرحلة انتظار لما ستؤول إليه المواقف الرسمية والإقليمية.
في المقابل، تتزامن هذه التطورات مع قرار سياسي أكثر حساسية، يتمثل بإعلان ائتلاف إدارة الدولة المضي في حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وتحديد مهلة تنتهي في الثلاثين من أيلول المقبل لإنهاء أي نشاط مسلح خارج سلطة الدولة، مع التلويح بتطبيق قانون مكافحة الإرهاب على أي جهة تستمر في حمل السلاح بعد ذلك التاريخ.
هذا التزامن يمنح قرار رفع الجاهزية الأمنية أبعاداً أوسع من مجرد الاستعداد لأي تطور خارجي، إذ يمكن قراءته أيضاً بوصفه رسالة داخلية مفادها أن الدولة تستعد لفرض قراراتها وحماية مؤسساتها ومنع أي محاولة لفرض الأمر الواقع بقوة السلاح.
ويرى الباحث في الشأن السياسي غالب الدعمي أن مطالب الفصائل لا تمثل الموقف الرسمي العراقي، لأن معالجة أي أزمة بين بغداد والرياض يجب أن تتم عبر القنوات الدبلوماسية ومؤسسات الدولة، لا عبر جهات مسلحة. كما يشير إلى أن العراق يمتلك اليوم مصالح استراتيجية مع السعودية تتجاوز البعد الأمني، وتشمل ملفات الاستثمار والطاقة والتعاون الاقتصادي، وهي ملفات لا ترغب الحكومة في تعريضها لأي تصعيد.
وفي المحصلة، فإن المشهد العراقي يقف أمام اختبار دقيق. فالحكومة مطالبة بإثبات قدرتها على تنفيذ مشروع حصر السلاح دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية، كما أنها مطالبة في الوقت ذاته بحماية علاقاتها الإقليمية ومنع استخدام الأراضي العراقية كساحة لتصفية الحسابات.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمثل تجميد قرار الفصائل بداية لاحتواء الأزمة، أم أنه مجرد هدنة مؤقتة تسبق مرحلة أكثر تعقيداً؟ الإجابة لن تحدد مستقبل العلاقة بين بغداد والفصائل المسلحة فحسب، بل ستكشف أيضاً مدى قدرة الدولة العراقية على ترسيخ احتكارها للقرار الأمني والعسكري في مرحلة توصف بأنها مفصلية في تاريخ العراق الحديث.







