حرية
بحث رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، خلال استقباله رئيس وأعضاء كتلة «منتصرون» النيابية، ملفات اقتصادية وخدمية ومعيشية، في لقاء يعكس محاولة الحكومة توسيع قاعدة الدعم البرلماني لبرنامجها الإصلاحي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات المرتبطة بالموازنة والسياسات الاقتصادية.
ويأتي التركيز على موازنة البرامج والأداء بوصفه أحد أبرز التحولات التي تريد الحكومة تسويقها اقتصادياً، باعتبارها آلية تربط الإنفاق الحكومي بالنتائج والأهداف بدلاً من الاكتفاء بتوزيع الأموال على الوزارات والمؤسسات. غير أن نجاح هذا النموذج لن يقاس بصياغة الموازنة، وإنما بقدرة الحكومة على فرض معايير واضحة للإنفاق والمساءلة ومراقبة تنفيذ المشاريع.
النفط.. محاولة للخروج من الاقتصاد الريعي
حديث الزيدي عن رفع إنتاج النفط وتطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة يكشف عن توجه مزدوج؛ فالحكومة تريد الاستفادة من النفط كمصدر رئيسي للإيرادات في المرحلة الحالية، وفي الوقت نفسه تقول إنها تسعى إلى تقليل اعتماد الاقتصاد العراقي عليه مستقبلاً.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: رفع الإنتاج النفطي لا يعني بحد ذاته التخلص من الاقتصاد الريعي، ما لم يترافق مع توجيه جزء أكبر من العوائد إلى الصناعة والزراعة والخدمات والبنية التحتية والقطاع الخاص.
ومن هذه الزاوية، فإن مشروع «مدينة الطاقة» يمكن أن يتحول إلى اختبار حقيقي لهذه الرؤية، إذا لم يقتصر على النشاط النفطي التقليدي، بل أصبح منصة للصناعات البتروكيميائية والطاقة والخدمات اللوجستية والتقنيات المرتبطة بالقطاع.
مكافحة الفساد.. من الخطاب إلى اختبار التنفيذ
إعادة طرح ملف مكافحة الفساد وتجفيف منابعه خلال اللقاء تحمل أهمية سياسية واضحة، خصوصاً أن الحكومة تحاول إظهار أن حملتها ضد الفساد ليست مجرد إجراءات قضائية متفرقة، وإنما جزء من مشروع لإعادة بناء مؤسسات الدولة.
لكن التحدي الأكبر يبقى في الانتقال من ملاحقة المتهمين إلى تفكيك البيئة التي تنتج الفساد، عبر إصلاح الجمارك والمنافذ والعقود الحكومية والضرائب وإدارة الأراضي والمشاريع العامة، فضلاً عن تقليص الاستثناءات التي تسمح بتداخل النفوذ السياسي مع القرار الإداري والاقتصادي.
البرلمان أمام اختبار مختلف
دعوة الزيدي النواب إلى دعم موازنة البرامج والأداء تضع مجلس النواب أمام مسؤولية تتجاوز التصويت على الموازنة، لتصل إلى ممارسة رقابة فعلية على نتائج الإنفاق الحكومي.
وفي المقابل، فإن إعلان كتلة «منتصرون» استمرارها في متابعة ملفات العمالة الأجنبية والفساد يمثل فرصة لتحويل العلاقة بين الحكومة والبرلمان من دعم سياسي عام إلى رقابة تشريعية منتجة، خصوصاً إذا اقترنت المتابعة البرلمانية بمؤشرات واضحة لقياس أداء الوزارات والمؤسسات.
اللقاء يحمل رسالتين متوازيتين: الأولى سياسية، تتمثل في سعي الحكومة إلى تأمين غطاء نيابي لبرنامجها الإصلاحي؛ والثانية اقتصادية، عنوانها محاولة إعادة تعريف علاقة الدولة بالمال العام والنفط والاستثمار.
لكن الاختبار الحقيقي للزيدي سيكون في قدرة الحكومة على تحويل هذه العناوين إلى نتائج ملموسة: إنفاق أكثر كفاءة، مشاريع منتجة، اقتصاد أقل اعتماداً على النفط، وملف فساد لا يكتفي بإصدار أوامر القبض، بل يصل إلى استرداد الأموال ومنع إعادة إنتاج شبكات الفساد.
فإذا نجحت موازنة البرامج والأداء في تغيير طريقة إدارة المال العام، فقد تصبح بداية لإصلاح اقتصادي فعلي؛ أما إذا بقيت مجرد عنوان جديد للموازنة التقليدية، فإن الحديث عن التحول الاقتصادي سيظل في إطار الخطاب السياسي أكثر منه مشروعاً قابلاً للقياس.







