حرية
تشير معطيات سياسية وأمنية متداولة إلى أن العراق يدخل مرحلة حساسة من إعادة رسم موازين القوة الداخلية، في ظل تحركات تهدف إلى إعادة هيكلة المنظومة الأمنية وحصر السلاح بيد الدولة، بالتوازي مع ضغوط دولية يُعتقد أنها تدفع باتجاه تقليص نفوذ الجماعات المسلحة وإعادة ضبط المشهد الأمني ضمن إطار مؤسساتي مركزي.
وبحسب هذه المعطيات، فإن النقاشات الجارية حول إنشاء “وزارة الأمن الفيدرالي” تمثل أحد أبرز ملامح هذا التوجه، حيث يُنظر إليها كمحاولة لدمج التشكيلات المسلحة المختلفة ضمن هيكل موحد، يشمل قوات الجيش والشرطة الفيدرالية وقوات الرد السريع، إضافة إلى ألوية مرتبطة بالحشد الشعبي، مع احتمالات لتوسيع الإطار ليشمل ترتيبات داخل إقليم كردستان.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه الإشارات إلى وجود مقاربة دولية، خاصة أميركية، تدفع نحو إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة العراقية والجماعات المسلحة، عبر مسار تدريجي يهدف إلى تقليص استقلالية القرار العسكري وتوحيد مركزه تحت سلطة الحكومة الاتحادية، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
وفي هذا السياق، تُفسر بعض الأوساط السياسية زيارة الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد بترايوس إلى بغداد ولقاءاته مع مسؤولين عراقيين، على أنها جزء من إعادة صياغة أوسع للملف الأمني في العراق، في ظل مرحلة إقليمية تتسم بتصاعد التوترات وتداخل ملفات النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران وتركيا.
وتشير هذه القراءة إلى أن التحركات الأخيرة تزامنت مع إجراءات أمنية لافتة وملفات اعتقال طالت شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة، ما انعكس على مستوى الثقة بين الأطراف الفاعلة داخل المشهد العراقي، وفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل العلاقة بين الدولة وهذه التشكيلات.
في المقابل، ترفض قوى مسلحة بارزة هذه الطروحات، معتبرة أنها محاولة لإعادة هندسة البيئة الأمنية في العراق بما يحدّ من نفوذها، بينما تتمسك الحكومة بخطاب يقوم على “حصر السلاح بيد الدولة” وتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية في إدارة الملف الأمني.
وعلى صعيد إقليم كردستان، تتحدث المعطيات عن توجهات مركزية متزايدة من بغداد لإعادة ضبط العلاقة المالية والإدارية مع الإقليم، عبر سلسلة إجراءات تتعلق بملفات النفط والإيرادات والرواتب، إلى جانب قرارات مرتبطة بالإطار القانوني والمؤسساتي، ما يعكس مساراً تدريجياً لتعزيز سلطة الحكومة الاتحادية.
وتشمل هذه الإجراءات، وفق المعطيات المتداولة، إنهاء التصدير المستقل للنفط، وربط الإيرادات النفطية وغير النفطية بالخزينة المركزية، إضافة إلى إعادة تنظيم آليات توزيع الرواتب عبر النظام المصرفي الاتحادي، بما يضع الملف المالي للإقليم تحت إشراف مباشر من بغداد.
كما ترتبط هذه التوجهات بإعادة تعريف طبيعة الفيدرالية في العراق، بحيث تميل نحو نموذج أكثر مركزية في إدارة الملفات السيادية، خصوصاً الأمنية والاقتصادية، في مقابل تقليص مساحة الاستقلال الإداري التي تمتع بها الإقليم خلال السنوات الماضية.
وفي المحصلة، يعكس هذا المسار، وفق مراقبين، محاولة لإعادة تشكيل “الخريطة الداخلية” للعراق، عبر إعادة ضبط العلاقة بين المركز والأطراف، وإعادة تنظيم القوة المسلحة داخل الدولة، في مرحلة تُوصف بأنها من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات، نظراً لتداخل العوامل الداخلية بالتجاذبات الإقليمية والدولية.







