رغد بنت زيد
يمكن وصف الشرق الأوسط اليوم بأنه “حرب شبكات” تمتد عبر جبهات متعددة وتتداخل فيها الدول مع الفاعلين غير الدولتيين وتختلط فيها الجغرافيا العسكرية بالاقتصاد والسياسة والأمن في لحظة واحدة
منذ سنوات طويلة كانت المنطقة تتحرك ضمن إيقاع (حرب الظل) حيث الاغتيالات والعمليات السيبرانية والضربات المحدودة في سوريا ولبنان وإيران تمثل سقف التصعيد الممكن بين الأطراف لكن هذا الإيقاع بدأ يتكسر تدريجياً مع حرب غزة التي لم تكن حدثاً محلياً بقدر ما كانت لحظة إعادة تعريف شاملة لمعادلات القوة في الإقليم إذ تحولت إلى نقطة تفجير أعادت تفعيل الجبهات دفعة واحدة وأدخلت ما يُعرف بمحور المقاومة إلى قلب المواجهة بصورة أكثر وضوحاً وجرأة
مع دخول عامي 2024 و2025 لم يعد ممكناً الحديث عن خطوط حمراء ثابتة فقد أصبح الاستهداف أكثر عمقاً والرد أكثر مباشرة والرسائل العسكرية أكثر علنية بما يعكس تآكلاً تدريجياً في منظومة الردع التقليدي التي حكمت الإقليم لعقود لصالح واقع جديد يقوم على الاستنزاف المتبادل وتعدد ساحات الاشتباك
وفي خضم هذا التحول يبرز العراق كأحد أكثر الملفات حساسية وهشاشة في آن واحد ليس لأنه طرف مباشر في الصراع بل لأنه نقطة تقاطع مركزية بين معظم عناصره حيث يتداخل النفوذ الإيراني الممتد عبر شبكات سياسية وأمنية واقتصادية مع الوجود العسكري الأمريكي بوصفه جزءاً من معادلة الردع الإقليمي إلى جانب فصائل مسلحة تتحرك أحياناً ضمن حسابات داخلية وأحياناً ضمن حسابات إقليمية تتجاوز حدود الدولة العراقية
هذا التشابك دفع العراق من موقع “الدولة المحايدة نسبياً” إلى موقع “الساحة المتأثرة مباشرة” بأي تصعيد بين إيران وإسرائيل بحيث باتت كل ضربة في العمق الإيراني تقابلها ارتدادات غير مباشرة داخل الداخل العراقي وكل تصعيد في غزة أو لبنان ينعكس على شكل ضغط أمني متزايد على القواعد والمصالح الأجنبية داخل البلاد
الأخطر في هذا المشهد أن الدولة العراقية تجد نفسها أمام معادلة شبه مستحيلة فهي مطالبة في الوقت نفسه بالحفاظ على علاقاتها مع طهران وضمان شراكتها الأمنية مع واشنطن ومنع الفصائل المسلحة من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة وفي كل موجة تصعيد إقليمي تتسع الفجوة بين قدرة الدولة النظرية على الضبط وبين واقع النفوذ المتداخل على الأرض
إن ما يجري اليوم لا يمكن قراءته كأزمة عابرة أو موجة توتر دورية بل كتحول بنيوي في طبيعة الصراع الإقليمي حيث لم تعد الحرب محكومة بحدود جغرافية واضحة ولم يعد ممكناً الفصل بين الداخل والخارج أو بين الدولة والفاعل غير الرسمي أو بين الجبهة والساحة
وفي هذا السياق يصبح العراق أكثر من مجرد دولة متأثرة بل مرآة دقيقة لدرجة هشاشة النظام الإقليمي برمته فكلما تصاعدت المواجهة بين إيران وإسرائيل اتسعت نقاط الاحتكاك داخله وكلما تراجع الردع الإقليمي ارتفعت احتمالات تحوله إلى ساحة اختبار مفتوحة لتوازنات لا تُدار بالكامل من بغداد
المشهد في مجمله لا يشير إلى تهدئة قريبة بقدر ما يعكس دخول المنطقة في زمن طويل من التوترات الموزعة حيث لا حرب شاملة ولا سلام مستقر بل سلسلة من الاشتباكات المتقطعة التي تعيد تشكيل الخرائط السياسية والأمنية ببطء لكنه بشكل متواصل
وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحاً ليس فقط حول اتجاه المواجهة بين إيران وإسرائيل بل حول الموقع الذي يمكن أن يستقر فيه العراق داخل هذا التدفق المستمر من الصراع الذي لا يمر على حدوده فقط بل يعبرها ويعيد تشكيلها من الداخل بشكل دائم







