حرية
فتح الكشف عن رسالة أميركية وُجهت إلى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي باباً جديداً من التعقيد أمام مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، بعد أن تضمنت رفضاً واضحاً لمشاركة أي فصيل مسلح أو ممثل عنه في التشكيلة الوزارية الجديدة، حتى في حال إعلان تلك الفصائل التخلي عن السلاح أو الانسحاب من العمل العسكري. ويعكس هذا الموقف أن واشنطن لم تعد تنظر إلى ملف الفصائل من زاوية السلاح فقط، بل باتت تربط بين النفوذ السياسي لهذه القوى وبين مستقبل علاقتها مع بغداد.
وتأتي هذه الرسالة في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزامن مع الحراك الحكومي الهادف إلى حصر السلاح بيد الدولة، ومع إعلان زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر فك ارتباط “سرايا السلام” بالتيار وإلحاقها بمؤسسات الدولة، وهي خطوة اعتبرها كثيرون بداية مرحلة جديدة لإعادة تنظيم المشهد الأمني والسياسي في العراق.
تحول في الموقف الأميركي
المعطيات تشير إلى أن الولايات المتحدة انتقلت من شرط “نزع السلاح” إلى شرط أكثر تشدداً يتمثل بإبعاد الفصائل المسلحة عن السلطة التنفيذية بشكل كامل. فحتى لو أعلنت بعض الفصائل التخلي عن نشاطها العسكري، فإن واشنطن لا تبدو مستعدة لمنحها شرعية سياسية عبر المناصب الحكومية، وهو ما يمكن وصفه بـ”الفيتو السياسي” على نفوذ الفصائل داخل الدولة.
ويعكس هذا التوجه رغبة أميركية في بناء حكومة عراقية تُنظر إليها دولياً بوصفها بعيدة عن تأثير الجماعات المسلحة، خصوصاً في ظل سعي بغداد إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتوسيع شراكاتها الاقتصادية مع الغرب.
الزيدي أمام معادلة معقدة
بالنسبة لرئيس الوزراء علي الزيدي، فإن الرسالة الأميركية تضعه أمام اختبار سياسي دقيق. فمن جهة، يحتاج إلى الحفاظ على التفاهمات الداخلية مع القوى السياسية التي تشكل جزءاً أساسياً من المشهد الحاكم، ومن جهة أخرى يدرك أن أي صدام مع واشنطن قد ينعكس على الدعم الدولي والاستثمارات والعلاقات الاقتصادية والأمنية التي تحتاجها البلاد في المرحلة المقبلة.
ولهذا تبدو الحكومة مقبلة على مفاوضات شاقة لإيجاد صيغة توازن بين متطلبات الشركاء المحليين والضغوط الدولية، خصوصاً أن بعض الفصائل كانت تعوّل على أن إعلان التخلي عن السلاح سيمهد الطريق أمام مشاركتها السياسية بصورة أوسع.
تداعيات على الإطار التنسيقي
الرسالة الأميركية تعني عملياً إعادة خلط أوراق القوى المنضوية داخل الإطار التنسيقي، إذ إن بعض الأطراف كانت تدرس منح حقائب وزارية أو مواقع تنفيذية لشخصيات محسوبة على فصائل مسلحة بعد إعلانها المرتقب تسليم السلاح. لكن الموقف الأميركي الجديد قد يدفع هذه القوى إلى البحث عن شخصيات تكنوقراط أو وجوه سياسية أقل إثارة للجدل الدولي.
كما أن الاجتماع المرتقب للإطار التنسيقي لمناقشة ملف حصر السلاح سيكون أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنه سيحدد شكل العلاقة بين الدولة والفصائل خلال السنوات المقبلة.
هل تستجيب الفصائل؟
التحدي الأكبر لا يتعلق بالفصائل التي أعلنت استعدادها للاندماج ضمن مؤسسات الدولة، بل بالفصائل التي ما زالت تعتبر سلاحها جزءاً من مشروعها العقائدي والسياسي. فهذه القوى قد تنظر إلى الضغوط الأميركية باعتبارها محاولة لإقصائها من المشهد العراقي، ما قد يدفعها إلى التمسك أكثر بمواقفها الحالية.
في المقابل، قد تجد بعض الفصائل أن التحولات الإقليمية والدولية، إلى جانب المتغيرات الداخلية، تفرض عليها إعادة تقييم خياراتها والانتقال تدريجياً من العمل المسلح إلى النشاط السياسي المدني.
مرحلة جديدة
المؤشرات الحالية توحي بأن العراق يقف أمام مرحلة مفصلية في ملف حصر السلاح وإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة. فقرار الصدر بشأن “سرايا السلام”، والضغوط الأميركية المتزايدة، وتحركات حكومة الزيدي لدمج التشكيلات المسلحة ضمن المؤسسات الرسمية، كلها عوامل تتقاطع في اتجاه واحد يتمثل بإعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية في البلاد.
لكن نجاح هذا المسار سيظل مرهوناً بقدرة الحكومة على تحقيق معادلة صعبة: تعزيز سلطة الدولة دون التسبب بأزمة سياسية داخلية، والحفاظ على الشراكات الدولية دون الدخول في مواجهة مع القوى المؤثرة على الساحة العراقية. وهو ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد شكل الدولة العراقية ومستقبل نفوذ الفصائل المسلحة داخلها.







