حرية
تكشف التسريبات المتداولة بشأن المشاورات التي يجريها رئيس الوزراء العراقي Ali al-Zaidi مع قوى “الإطار التنسيقي” عن دخول العراق مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، في ظل تصاعد الضغوط الأمريكية والخليجية عقب الهجمات بالطائرات المسيّرة التي استهدفت السعودية والإمارات والكويت، والتي وُجهت أصابع الاتهام فيها إلى فصائل عراقية مرتبطة بمحور إيران.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الأزمة تجاوزت إطار الإدانة السياسية التقليدية، لتتحول إلى ملف إقليمي ودولي مفتوح يضع بغداد أمام خيارات صعبة تتعلق بمستقبل “الحشد الشعبي” والفصائل المسلحة، وطبيعة العلاقة بين الدولة العراقية ومحور المقاومة، وحدود قدرة الحكومة على احتواء التصعيد دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو إقليمية.
ضغوط أمريكية مباشرة.. ورفض لخيار الصدام
التقارير التي تحدثت عن طلب أمريكي باستخدام القوة العسكرية لنزع سلاح الفصائل تعكس تحولًا واضحًا في المزاج الأمريكي تجاه الملف العراقي، خصوصًا بعد انتقال الهجمات إلى منشآت خليجية حساسة، بينها محطة براكة النووية في الإمارات.
الولايات المتحدة تبدو معنية بمنع تحول العراق إلى منصة تهديد إقليمي مفتوحة، خاصة في ظل الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية المستمرة مع إيران، وما رافقها من اتساع نشاط الفصائل المسلحة الموالية لطهران في أكثر من ساحة.
لكن في المقابل، فإن الحكومة العراقية وقوى الإطار التنسيقي تدرك أن خيار المواجهة العسكرية المباشرة مع الفصائل يحمل مخاطر هائلة، قد تدفع البلاد نحو:
- صدام شيعي ـ شيعي.
- تفكك أمني داخلي.
- انقسام داخل مؤسسات الدولة.
- انفجار سياسي قد يهدد النظام القائم بأكمله.
ولهذا يبدو أن بغداد تميل إلى “التفكيك الناعم” بدل المواجهة الصلبة.
وزارة الأمن الاتحادي.. محاولة لإعادة هندسة القوة المسلحة
المقترح المتعلق بإنشاء “وزارة الأمن الاتحادي” يحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز مجرد إعادة هيكلة إدارية.فالفكرة تقوم عمليًا على:
- دمج الحشد الشعبي ضمن مؤسسة أمنية رسمية موحدة.
- إنهاء الصيغة الحالية لهيئة الحشد.
- تفكيك البنية المستقلة للفصائل.
- وضع السلاح تحت قيادة حكومية مركزية.
- تقليص النفوذ الإيراني غير المباشر داخل المنظومة الأمنية.
وهذا السيناريو يشبه إلى حد ما نماذج “استيعاب الجماعات المسلحة داخل الدولة” التي جرى تطبيقها في دول أخرى، لكن نجاحه في العراق يبقى معقدًا بسبب:
- التعدد العقائدي للفصائل.
- تضارب الولاءات.
- الارتباط الإقليمي لبعض الجماعات.
- النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي الذي راكمته منذ 2014.
الرسالة الخليجية.. انتقال الأزمة إلى مستوى التهديد العسكري
الأخطر في التسريبات هو الحديث عن “رسالة سعودية” تتضمن تهديدًا بتشكيل تحالف عربي لتنفيذ ضربات جوية ضد الفصائل العراقية.
إذا صحّت هذه المعلومات، فهذا يعني أن دول الخليج باتت تعتبر الهجمات الأخيرة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وأن خيار الرد العسكري لم يعد مستبعدًا.كما أن ذكر دول مثل:
- السعودية
- الإمارات
- الكويت
- البحرين
- الأردن
يعكس احتمال تشكل محور أمني عربي جديد للتعامل مع التهديدات العابرة للحدود المرتبطة بالفصائل المسلحة.وهذا التطور يضع بغداد أمام معادلة شديدة الخطورة:
- إما احتواء الفصائل داخليًا.
- أو مواجهة احتمال تدويل الملف أمنيًا وعسكريًا.
الإطار التنسيقي بين الدولة والمحور الإيراني
الأزمة الحالية تكشف أيضًا المأزق الحقيقي الذي يواجهه “الإطار التنسيقي”.فالقوى الحاكمة في بغداد تجد نفسها بين:
- الضغوط الأمريكية والخليجية.
- التحالف السياسي مع الفصائل.
- النفوذ الإيراني داخل العراق.
- الحاجة إلى حماية الاستقرار الداخلي.
ولهذا يحاول الإطار تبني مقاربة وسطية تقوم على:
- منع التصعيد العسكري.
- الحفاظ على تماسك البيت الشيعي.
- تقديم تطمينات للخليج وواشنطن.
- دون الدخول في قطيعة مباشرة مع الفصائل أو طهران.
لكن قدرة هذه المقاربة على الصمود تبدو محدودة إذا استمرت الهجمات الإقليمية.
الفصائل.. من “المقاومة” إلى عبء استراتيجي؟
إعلان الفصائل العراقية دخول الحرب إلى جانب إيران منذ بدايتها جعل العراق جزءًا من معادلة الصراع الإقليمي، حتى وإن حاولت الحكومة النأي بنفسها رسميًا.
ومع تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة، بدأت بعض القوى العراقية تنظر إلى نشاط الفصائل بوصفه:
- تهديدًا للعلاقات العربية.
- خطرًا على الاقتصاد والاستثمار.
- عاملًا لاستجلاب الضربات الخارجية.
- سببًا لتآكل هيبة الدولة.
وهذا التحول في الخطاب الداخلي قد يفتح الباب أمام إعادة نقاش مستقبل “السلاح خارج الدولة”، وهو ملف ظل مؤجلًا لسنوات بسبب التوازنات السياسية والأمنية.
هل يقترب العراق من تسوية كبرى؟
المؤشرات الحالية توحي بأن هناك محاولة لبلورة تسوية شاملة تقوم على:
- إعادة دمج الفصائل داخل مؤسسات الدولة.
- إنهاء الأجنحة العسكرية المستقلة.
- تقديم ضمانات للفصائل بعدم الاستهداف.
- الحفاظ على النفوذ السياسي لقادتها.
- مقابل وقف النشاط العسكري الإقليمي.
لكن نجاح أي تسوية سيعتمد على عدة عوامل:
- موقف إيران.
- مدى التزام الفصائل.
- حجم الضغوط الأمريكية.
- استعداد الخليج للتصعيد أو التهدئة.
- قدرة الحكومة العراقية على فرض التوازن.
خلاصة تحليلية
العراق يقف اليوم أمام واحدة من أخطر لحظاته منذ هزيمة تنظيم داعش، لأن الصراع لم يعد داخليًا فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بالحرب الإقليمية الكبرى الدائرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران ومحورها من جهة أخرى.
وفي ظل التهديدات الخليجية، والضغوط الأمريكية، والتوتر المتصاعد في المنطقة، يبدو أن ملف الحشد الشعبي والفصائل المسلحة دخل مرحلة إعادة تعريف شاملة، قد تعيد رسم شكل المنظومة الأمنية والسياسية العراقية خلال المرحلة المقبلة.
لكن التحدي الأكبر سيبقى في كيفية تنفيذ أي تحول دون دفع البلاد نحو انفجار داخلي جديد، في بيئة إقليمية شديدة الاشتعال وسريعة التقلب.







