حرية
تتجه تايوان إلى اختبار أحد أكثر السيناريوهات حساسية في حال اندلاع مواجهة عسكرية مع الصين، عبر محاكاة تباطؤ خدمات الإنترنت عبر الهواتف المحمولة، في تدريب يهدف إلى اختبار قدرة السكان والمؤسسات على التواصل في حال تعرض البنية التحتية للاتصالات لهجوم أو تعطيل.
وأرسلت الحكومة التايوانية تنبيهات إلى ملايين الهواتف المحمولة لإبلاغ السكان بالتدريب، الذي يتزامن مع المناورات العسكرية السنوية، ويهدف إلى رفع مستوى الوعي باحتمال تعرض خدمات الإنترنت للانقطاع أو التراجع الحاد نتيجة هجوم يستهدف البنية التحتية للاتصالات.
وبحسب ما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال»، تخطط السلطات لإبطاء سرعات الإنترنت عبر الهواتف المحمولة لمدة 30 دقيقة في فترتين، ضمن محاكاة لهجوم يستهدف شبكات الاتصالات، على أن تتزامن التجربة مع تدريبات الغارات الجوية.
اختبار بلا صواريخ
ولا تستهدف المناورة اختبار القدرات العسكرية بالمعنى التقليدي، وإنما اختبار قدرة المجتمع على التعامل مع اضطراب مفاجئ في واحدة من أكثر الخدمات ارتباطاً بالحياة اليومية.
ويتمثل الهدف الأساسي في دفع السكان إلى التفكير بوسائل بديلة للاتصال، في حال تعرض شبكات الهاتف المحمول للشلل أو التباطؤ، خصوصاً أن تايوان تعتمد بدرجة كبيرة على الاتصالات الرقمية في الخدمات الحكومية والتجارية والحياة اليومية.
وقال مسؤولون إن التباطؤ سيكون مشابهاً لتجربة استخدام شريحة اتصال محدودة البيانات أثناء السفر إلى الخارج، في تجربة غير مألوفة بالنسبة لسكان اعتادوا على الإنترنت السريع والمتاح على نطاق واسع عبر الهواتف المحمولة.
وتسعى الحكومة إلى تنفيذ التدريب بطريقة لا تؤدي إلى اضطراب واسع في الحياة اليومية، إذ ستتوافر خدمة واي فاي غير محدودة في المناطق المتأثرة، فيما يُطلب من السكان البقاء في منازلهم بالتزامن مع تدريبات الغارات الجوية.
الكابلات البحرية.. نقطة الضعف الأخطر
تكمن أهمية التدريب في أن تايوان لا تتعامل مع انقطاع الإنترنت باعتباره سيناريو افتراضياً بعيداً، بل جزءاً من مخاطر أمنية قائمة.
وتعتمد الجزيرة على شبكة من كابلات الألياف الضوئية البحرية التي تربطها بالعالم الخارجي، وقد تعرضت كابلات مرتبطة بالصين للقطع في خمس حوادث على الأقل خلال السنوات الأخيرة، وفق التقرير.
وقال مسؤول أمني تايواني رفيع المستوى إن بلاده من الأماكن القليلة في العالم التي تواجه محاولات متكررة لقطع الكابلات البحرية، متسائلاً عن كيفية عدم استعداد دولة تواجه مثل هذا التهديد.
وهنا تتضح أهمية المناورة؛ فاستهداف الكابلات البحرية يمكن أن يكون أقل تكلفة من شن هجوم عسكري مباشر، لكنه قادر على إحداث اضطراب واسع في الاتصالات والاقتصاد والخدمات الأساسية، وربما عزل الجزيرة جزئياً عن العالم الخارجي.
تايوان تستعد لحرب الاتصالات
ويأتي التدريب في إطار استراتيجية أوسع للرئيس التايواني لاي تشينغ تي لرفع مستوى استعداد السكان لمواجهة احتمال اندلاع أزمة أو صراع مع الصين، التي تعتبر تايوان جزءاً من أراضيها ولا تستبعد استخدام القوة لتحقيق هدفها.
لكن التحدي لا يتعلق فقط بإقناع السكان باحتمال الحرب، بل بإعدادهم للتعامل مع آثارها غير المباشرة، مثل انقطاع الاتصالات والكهرباء واضطراب الخدمات وسلاسل الإمداد.
ولهذا، فإن تدريب الإنترنت يمثل انتقالاً من مفهوم الدفاع العسكري التقليدي إلى ما يمكن وصفه بـ«الدفاع المجتمعي»، حيث يصبح المواطن جزءاً من منظومة الاستجابة للأزمات وليس مجرد متلقٍ للتعليمات.
الأقمار الصناعية.. البديل عن الكابلات
وتعمل تايوان بالتوازي على تطوير بدائل للاتصال الأرضي والبحري، وفي مقدمتها إنشاء شبكة إنترنت عبر الأقمار الصناعية يمكن استخدامها في حال تعرض الكابلات البحرية للتخريب.
وتطور تايوان أقماراً صناعية خاصة بها في مدار أرضي منخفض، لكن أول إطلاق ضمن هذا البرنامج مقرر في عام 2028، بحسب وكالة الفضاء التايوانية.
كما تتجه تايبيه إلى تعزيز شراكاتها مع الشركات الأجنبية في هذا المجال، بعدما خففت مؤخراً قواعد الملكية الأجنبية التي كانت تمثل عائقاً أمام إطلاق خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية التابعة لشركة «سبيس إكس».
مناورات تكشف شكل الحرب المقبلة
وتكشف التجربة التايوانية أن الحرب الحديثة قد تبدأ قبل وصول الطائرات والصواريخ إلى أهدافها. فتعطيل الإنترنت أو قطع الكابلات البحرية أو ضرب شبكات الكهرباء يمكن أن يتحول إلى سلاح يربك الدولة والمجتمع، ويؤثر في الاقتصاد والاتصالات والخدمات الحيوية من دون الحاجة إلى تدمير واسع للبنية التحتية.
ولهذا، فإن اختبار تايوان لسيناريو تباطؤ الإنترنت يحمل رسالة تتجاوز حدود المناورة العسكرية: الاستعداد للحرب لم يعد يعني امتلاك الأسلحة فقط، بل القدرة على مواصلة الحياة عندما تتعطل الأنظمة التي تقوم عليها الحياة الحديثة.
وبالنسبة إلى تايوان، تبدو المعادلة أكثر حساسية؛ فكلما أصبحت الجزيرة أكثر اعتماداً على الاتصال الرقمي، أصبحت حماية الكابلات والشبكات والأقمار الصناعية جزءاً من أمنها القومي، تماماً كما أصبحت حماية المجال الجوي والبحري.







