حرية
شهدت بغداد حملة اعتقالات ومداهمات واسعة على خلفية ملفات فساد واستغلال نفوذ في تطور أعاد ملف مكافحة الفساد إلى صدارة المشهد السياسي والأمني وفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تكون مختلفة عن الحملات السابقة من حيث التنسيق المؤسسي وطبيعة التنفيذ وبحسب مصادر أمنية وإعلامية فإن العمليات نُفذت استنادا إلى أوامر قضائية وبمشاركة تشكيلات أمنية خاصة بينها جهاز مكافحة الإرهاب والفرقة الخاصة ما يعكس جدية الدولة في التعامل مع ملفات حساسة تتطلب انضباطا عاليا وسرية في التنفيذ ومنعا لأي تدخلات أو ضغوط سياسية.
وتأتي الحملة في ظل توجه واضح من حكومة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي نحو إعادة بناء الثقة بمؤسسات الدولة وترسيخ مبدأ أن مكافحة الفساد لا تقل أهمية عن مكافحة الإرهاب باعتبار الفساد أحد أخطر التحديات التي تهدد الاقتصاد والخدمات وهيبة القانون.
وتشير طبيعة الإجراءات إلى وجود تنسيق عال بين الحكومة والقضاء العراقي برئاسة القاضي فائق زيدان والسلطة التشريعية ممثلة برئاسة مجلس النواب خصوصا في ما يتعلق بالتعامل مع الملفات التي قد تطال نوابا أو شخصيات تتمتع بحصانات قانونية إذ لا يمكن تنفيذ أي إجراء بحق هذه الفئات من دون المرور بالمسارات الدستورية والقانونية الخاصة برفع الحصانة أو استكمال الموافقات القضائية.
ليست هذه الحملة الأولى من نوعها في العراق ففي عهد حكومة مصطفى الكاظمي نُفذت حملات مشابهة لمكافحة الفساد عبر لجنة خاصة عرفت إعلاميا باسم لجنة أبو رغيف وتم خلالها توقيف عدد من المسؤولين والشخصيات المتهمة بملفات فساد.
إلا أن تلك التجربة تعرضت لاحقا إلى انتقادات واسعة في عهد حكومة محمد شياع السوداني بعد إثارة ملفات تتعلق بآليات التحقيق والتوقيف والإجراءات القانونية وحقوق الموقوفين وقد انتهت تلك المرحلة إلى مراجعات وتحقيقات رسمية طالت عمل اللجنة وأداء بعض القائمين عليها.
ومن هنا تبدو الحملة الحالية أمام اختبار مهم كيف يمكن للدولة أن تفتح ملفات الفساد الكبرى بقوة وجرأة وفي الوقت نفسه تضمن أن تتم جميع الإجراءات تحت سقف القانون وبإشراف القضاء ومن دون تجاوزات أو توظيف سياسي.
أهمية ما يجري اليوم لا تتعلق فقط بالأسماء التي قد تشملها أو بالمواقع التي جرت فيها الاعتقالات بل بالرسالة السياسية والقانونية التي تريد الدولة إيصالها لا حصانة أمام ملفات الفساد إذا اكتملت الأدلة والإجراءات القضائية.
كما أن إشراك تشكيلات أمنية عالية الانضباط في التنفيذ، مثل جهاز مكافحة الإرهاب والفرقة الخاصة، يمنح العملية بعدا أمنيا وتنفيذيا مهما، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخصيات نافذة أو ملفات قد تواجه مقاومة سياسية أو حماية مسلحة أو محاولات تعطيل.
تؤشر الحملة إلى أن حكومة علي الزيدي تريد الانتقال من خطاب مكافحة الفساد إلى الفعل التنفيذي وأنها تسعى إلى تقديم نموذج مختلف يقوم على التنسيق بين القرار الحكومي والإجراء القضائي والتنفيذ الأمني المنضبط.
كما أن دور القضاء العراقي برئاسة فائق زيدان سيكون حاسما في تحويل هذه الحملة من حدث أمني وإعلامي إلى مسار قانوني متكامل، يبدأ بأوامر القبض ولا ينتهي إلا بقرارات قضائية واضحة، سواء بالإدانة أو الإفراج، وفقا للأدلة والوقائع.
أما دور رئاسة مجلس النواب في ملف رفع الحصانة عن النواب، فيمثل عنصرا مهما في اختبار جدية السلطة التشريعية في دعم مكافحة الفساد لأن أي حماية سياسية أو تعطيل للإجراءات سيضعف ثقة الشارع بالحملة، بينما التعاون مع القضاء سيعزز صورة الدولة ويؤكد أن القانون فوق الجميع.
العراق اليوم أمام لحظة حساسة في ملف مكافحة الفساد فنجاح هذه الحملة لن يقاس بعدد المعتقلين، بل بقدرة الدولة على إثبات أن الإجراءات قانونية، وأن الملفات حقيقية، وأن النتائج ستصل إلى استرداد المال العام ومحاسبة المتورطين.
وإذا استمر التنسيق بين الحكومة والقضاء والبرلمان والأجهزة الأمنية بهذا المستوى فقد تكون هذه الحملة بداية مرحلة جديدة عنوانها مكافحة الفساد بمنطق الدولة لا بمنطق الاستعراض وبقوة القانون لا بقوة الشعارات.










