حرية
في مفارقة لافتة، تراجعت أسعار النفط العالمية رغم استمرار المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران وإعلان طهران إغلاق مضيق هرمز، وهو ما كان يُفترض أن يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية. إلا أن الأسواق قرأت التطورات الأخيرة بطريقة مختلفة، معتبرة أن مخاطر تعطّل إمدادات الطاقة باتت أقل مما كان متوقعاً.
وانخفض خام برنت بنحو 1% ليستقر قرب 92 دولاراً للبرميل، فيما تراجع خام غرب تكساس الأميركي إلى أقل من 90 دولاراً، بعد تبادل الضربات بين واشنطن وطهران خلال الساعات الماضية.
الضربات العسكرية أبعدت النفط عن دائرة الاستهداف
بحسب تقديرات خبراء الطاقة، فإن السبب الرئيسي وراء هبوط الأسعار يعود إلى طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف. فالولايات المتحدة ركزت على مواقع عسكرية وأنظمة مراقبة ودفاع جوي إيرانية مرتبطة بأمن الملاحة، بينما استهدفت إيران مواقع عسكرية أميركية دون المساس المباشر بالبنية التحتية النفطية أو منشآت إنتاج وتصدير الطاقة.
هذا التطور بعث برسالة للأسواق مفادها أن الطرفين لا يسعيان حالياً إلى تدمير قطاع الطاقة في المنطقة، الأمر الذي خفّض ما يُعرف بـ”علاوة المخاطرة” التي أضيفت إلى أسعار النفط منذ بداية الحرب.
هرمز مغلق نظرياً.. لكن التدفقات مستمرة
ورغم إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز، تشير المعطيات إلى استمرار تدفق جزء من الصادرات النفطية عبر آليات مختلفة، بينها ما يعرف بـ”المرور المظلم”، حيث تتحرك بعض السفن بإجراءات تخفٍ إلكترونية لتجنب الرصد.
وتعززت هذه التقديرات بعد حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نجاح عملية سرية أدت إلى مرور أكثر من 200 ناقلة تحمل نحو 100 مليون برميل نفط عبر المضيق، فضلاً عن تقارير تشير إلى ارتفاع صادرات العراق النفطية خلال الأيام الأولى من الشهر الحالي.
باب المندب يتحول إلى شريان بديل
في موازاة ذلك، أصبح مضيق باب المندب أحد أهم البدائل لتعويض تعطل جزء من حركة الملاحة في هرمز. فالصادرات السعودية القادمة من ميناء ينبع، إضافة إلى النفط الروسي المتجه نحو الأسواق الآسيوية والأفريقية، باتت تعتمد بصورة أكبر على هذا الممر البحري.
ويعني ذلك أن الأسواق العالمية بدأت تتكيف تدريجياً مع الأزمة الحالية عبر إيجاد مسارات بديلة للإمدادات، ما حدّ من مخاوف نقص المعروض.
الصين لاعب رئيسي في معادلة الأسعار
تلعب الصين دوراً محورياً في استقرار سوق النفط خلال الأزمة الحالية. فبكين، التي تعد أكبر مستورد للنفط في العالم، خفضت وارداتها اليومية بشكل ملحوظ، ولجأت إلى استخدام جزء من مخزونها الاستراتيجي لتقليل الضغوط على الأسواق العالمية.
كما أن استمرار تدفق النفط عبر باب المندب يخدم المصالح الصينية بشكل مباشر، الأمر الذي يجعل بكين حريصة على منع أي تصعيد قد يهدد هذا الممر الحيوي أو يؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة.
قراءة اقتصادية
ما يحدث حالياً يؤكد أن الأسواق لم تعد تتفاعل مع الأحداث العسكرية بحد ذاتها، بل مع تأثيرها المباشر على الإمدادات النفطية. لذلك فإن استمرار استبعاد المنشآت النفطية من دائرة الاستهداف، ونجاح الدول المستوردة في إيجاد بدائل مؤقتة، يدفعان نحو تراجع تدريجي في أسعار الخام رغم استمرار الحرب.
لكن هذه المعادلة تبقى هشة للغاية، إذ إن أي استهداف مباشر لمنشآت التصدير أو أي تعطيل فعلي لممرات الطاقة الرئيسية مثل هرمز أو باب المندب قد يعيد الأسعار إلى الارتفاع الحاد خلال وقت قصير.
تكشف التطورات الأخيرة أن سوق النفط دخل مرحلة جديدة من التكيف مع الحرب. فبدلاً من التركيز على التصعيد العسكري نفسه، باتت الأسواق تراقب قدرة الأطراف على الحفاظ على تدفق الطاقة. ولهذا السبب تراجعت الأسعار رغم القصف المتبادل، لأن الرسالة الأهم التي التقطها المستثمرون هي أن النفط ما زال يتدفق، وأن البنية التحتية للطاقة لم تدخل بعد قلب المعركة.







