حرية
خلف قرار وزارة الخزانة الأميركية رفع اسم شركة «فلاي بغداد» من قوائم العقوبات، تقف معركة قانونية وتنظيمية امتدت قرابة عامين، قادها فريق عراقي–أميركي متخصص في العقوبات الاقتصادية والامتثال والتحقيقات المالية.
وبينما تصدّر قرار رفع العقوبات الاهتمام، بقي السؤال الأبرز: من هم المحامون الذين تولوا أحد أكثر الملفات تعقيداً التي واجهت شركة طيران عراقية أمام المؤسسات الأميركية؟
كشفت «فلاي بغداد» أن فريقها القانوني كان بقيادة المحامي الأميركي إريك بليندرمان والمحامي العراقي–الأميركي رائد جوحي الساعدي، وبالتعاون مع المحاميين ريد ويتن وسكوت مابيري من شركة «شيبارد مولين» الأميركية.
وقال رئيس مجلس إدارة الشركة، أحمد أسعد، إن الفريق قدّم المشورة القانونية للشركة خلال جميع مراحل العمل، منذ بدء معالجة أسباب الإدراج وحتى صدور قرار مكتب مراقبة الأصول الأجنبية «OFAC» برفع العقوبات.
رائد جوحي.. من ملف صدام إلى أروقة المؤسسات الأميركية
يبرز داخل الفريق اسم رائد جوحي الساعدي، القاضي العراقي السابق الذي ارتبط اسمه بإحدى أشهر القضايا في تاريخ العراق الحديث، بعدما تولى التحقيق مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين أمام المحكمة الجنائية العراقية العليا.
وانتقل جوحي لاحقاً إلى العمل في مواقع حكومية رفيعة، إذ شغل منصب مدير مكتب رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، كما تولى رئاسة جهاز المخابرات الوطني العراقي.
وبعد مغادرته العمل الحكومي، انتقل إلى ممارسة العمل القانوني في الولايات المتحدة، ليشارك، بصفته محامياً، في إدارة ملف «فلاي بغداد» أمام المؤسسات الأميركية، ضمن فريق عمل سعى إلى معالجة الأسباب القانونية والتنظيمية التي أدت إلى فرض العقوبات على الشركة.
ويأتي ظهوره في هذا الملف في وقت لا يزال اسمه مرتبطاً بملفات واتهامات قضائية داخل العراق، ما يضيف بعداً سياسياً وقانونياً إلى حضوره في قضية «فلاي بغداد».
خبرة أميركية في العقوبات والتحقيقات الدولية
أما المحامي إريك بليندرمان، فيُعرف بتخصصه في العقوبات الاقتصادية والامتثال والتحقيقات الدولية. وقد قاد، إلى جانب جوحي، المسار القانوني للشركة، بالتعاون مع ريد ويتن وسكوت مابيري من شركة «شيبارد مولين»، وهي من شركات المحاماة الأميركية المعروفة في الملفات التنظيمية والتجارية المعقدة.
لكن عمل الفريق لم يقتصر على تقديم اعتراض قانوني إلى وزارة الخزانة الأميركية، بل تزامن، بحسب الشركة، مع تنفيذ برنامج داخلي شامل لإعادة بناء أنظمة الحوكمة والرقابة والشفافية والامتثال.
وشملت هذه العملية معالجة الملاحظات التي قادت إلى إدراج الشركة، وتطوير إجراءات قابلة للتحقق أمام الجهات الأميركية، وصولاً إلى قرار «OFAC» حذف اسم «فلاي بغداد» من قائمة الأشخاص والكيانات المحظورة، ورفع القيود عن الطائرات التي سبق إدراجها ضمن العقوبات.
ودخل القرار حيز التنفيذ في الخامس من آب 2026، فاتحاً الباب أمام المصارف وشركات التأمين ومؤجري الطائرات وموردي الوقود وشركات الصيانة ووكلاء السفر لاستئناف تعاملاتهم مع الشركة.
طريق نادر ومعقد للخروج من قوائم العقوبات
لا تنشر وزارة الخزانة الأميركية إحصاءات مستقلة توضح عدد الأشخاص أو الشركات الذين نجحوا في الخروج من قوائم العقوبات نتيجة دعاوى قضائية أو اعتراضات قانونية.
وفي الغالب، تصدر قرارات الشطب من قوائم «OFAC» إدارياً، بعد مراجعة الأدلة والظروف والتغييرات التي يجريها الشخص أو الكيان المدرج، وليس تنفيذاً لحكم قضائي مباشر.
ومع ذلك، تكشف السوابق الدولية عن عدد محدود من القضايا التي نجح فيها أفراد أو كيانات في إسقاط العقوبات أو دفع السلطات إلى إعادة النظر فيها عبر المحاكم والمسارات القانونية.
ففي عام 2008، ألغت محكمة العدل الأوروبية تجميد أموال رجل الأعمال السعودي ياسين القاضي ومؤسسة البركات، بعدما خلصت إلى أن حقوق الدفاع والطعن القضائي لم تُحترم. وتحولت القضية لاحقاً إلى واحدة من أبرز السوابق في مجال الرقابة القضائية على العقوبات الدولية.
وفي آذار 2024، ألغت المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي قرارات إبقاء سائق «الفورمولا 1» الروسي نيكيتا مازيبين على قائمة العقوبات، معتبرة أن صلته العائلية بوالده لا تكفي، بمفردها، لتبرير استمرار إدراجه.
وفي الولايات المتحدة، رفعت وزارة الخزانة العقوبات عن خدمة «Tornado Cash» في آذار 2025، بعد نزاع قضائي أثار أسئلة قانونية غير مسبوقة بشأن مدى إمكانية إخضاع البرمجيات اللامركزية للعقوبات المالية.
كما شطبت الولايات المتحدة، عام 2012، منظمة مجاهدي خلق من قائمة المنظمات الإرهابية، بعد مسار قانوني طويل وصل إلى محكمة الاستئناف في واشنطن، إلا أن القرار النهائي بقي إدارياً وصدر عن وزارة الخارجية الأميركية، لا بموجب حكم قضائي مباشر.
وتؤكد هذه السوابق أن الخروج من قوائم العقوبات ليس إجراءً سريعاً أو شكلياً، بل مسار طويل يتطلب أدلة قانونية، ومفاوضات معقدة، وتغييرات داخلية تستطيع الجهات الرقابية التحقق منها.
لم يكن حكماً قضائياً.. بل معركة امتثال
في حالة «فلاي بغداد»، لا يشير بيان الشركة إلى صدور حكم قضائي أميركي بإلغاء العقوبات، بل إلى نجاح فريقها القانوني في إدارة طلب رفع الإدراج أمام وزارة الخزانة، بالتوازي مع برنامج امتثال وإصلاح داخلي استمر نحو عامين.
وهنا تكمن أهمية القضية: لم يكن رفع العقوبات نتيجة اعتراض مكتوب فحسب، وإنما حصيلة مسار جمع بين الدفاع القانوني، والتحقيقات المالية، وإعادة بناء أنظمة الحوكمة والرقابة داخل الشركة.
وبذلك، لا تختصر قصة «فلاي بغداد» في قرار رفع اسمها من قائمة الحظر، بل في الفريق الذي قادها عبر واحد من أكثر المسارات القانونية تعقيداً: محامٍ أميركي متخصص في العقوبات، وقاضٍ عراقي سابق حقق مع صدام حسين، ومحامون دوليون عملوا على إعادة بناء ملف الشركة خطوة بعد أخرى، حتى استعادت قدرتها على التعامل مع الأسواق والمؤسسات المالية الدولية.







