حرية
أكد الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، أن الخلافات بين المسلمين يجب ألا تتحول إلى صراعات داخلية تشتت الأولويات، داعياً إلى توحيد المواقف في مواجهة ما وصفه بالعدو الأساسي، في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.
وجاءت تصريحات قاسم خلال مشاركته في مؤتمر الوحدة الإسلامية، حيث ركز في كلمته على مفهوم الوحدة باعتباره أداة سياسية وأمنية في مواجهة التحديات التي تعصف بالمنطقة، رابطاً بين التضامن الإسلامي ودعم القضية الفلسطينية ومواجهة السياسات الأمريكية والإسرائيلية.
وقال قاسم إن الخلافات بين المسلمين يجب ألا “تفتح جبهة داخلية وتنسينا عدونا الأساسي”، في رسالة تعكس رؤية حزب الله لطبيعة الصراع الإقليمي، والتي تقوم على اعتبار أن الأولوية يجب أن تبقى لمواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، بدلاً من انتقال الصراع إلى داخل المجتمعات والقوى الإسلامية.
فلسطين عنواناً للوحدة
وفي سياق حديثه عن الوحدة الإسلامية، اعتبر قاسم أن القضية الفلسطينية شكلت نموذجاً لما وصفه بالوحدة الحقيقية، مشيراً إلى أن دعم فلسطين لم يقتصر على المواقف السياسية، بل شمل الدم والسلاح والمال والمواجهة والعداء المشترك لإسرائيل والولايات المتحدة.
وأضاف أن هذا المفهوم من الوحدة تجسد في لبنان من خلال العلاقة بين حزب الله وحركة أمل، إلى جانب القوى السياسية التي ترفض الوجود الإسرائيلي وتتبنى خيار المقاومة والتحرير.
ويحاول خطاب قاسم من خلال هذا الطرح تقديم القضية الفلسطينية باعتبارها نقطة التقاء تتجاوز الانقسامات السياسية والطائفية، وتحويلها إلى إطار جامع للقوى التي تتبنى موقفاً معارضاً للسياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
هجوم مباشر على السياسة الأمريكية
وفي جانب آخر من كلمته، صعّد قاسم من لهجته تجاه الولايات المتحدة، متهماً إياها بالعمل ضد شعوب المنطقة والسعي إلى ضرب ما وصفه بـ”جذور المشروع الإسلامي” وحقوق شعوب الشرق الأوسط.
وقال إن الولايات المتحدة تريد السيطرة على الأرض والمستقبل وقيادة الشعوب وفق خياراتها، متهماً واشنطن بالسعي إلى تحويل شعوب المنطقة إلى أدوات تابعة لسياساتها.
ويأتي هذا الخطاب ضمن رؤية سياسية يعتبر فيها حزب الله أن الصراع مع الولايات المتحدة لا يقتصر على ملفات عسكرية أو اقتصادية محددة، وإنما يمتد إلى النفوذ السياسي ومستقبل المنطقة وشكل أنظمتها وتحالفاتها.
إيران في قلب خطاب المقاومة
وأولى قاسم إيران مساحة واضحة في حديثه، مؤكداً أن ما وصفه بصمود الشعب الإيراني ووحدته أسهم في إفشال ما اعتبرها ثلاث حروب ضد الجمهورية الإسلامية.
وقال إن بقاء إيران صامدة ودفاعها عن حقوقها وأرضها، رغم الخسائر والتضحيات، سيحول دون تحقيق ما وصفه بمشروع الولايات المتحدة وإسرائيل.
كما أكد أن العقوبات الاقتصادية والضغوط العسكرية لن تكون كافية، وفق رؤيته، لإجبار إيران على التراجع، معتبراً أن استمرار الصمود يمثل الوسيلة الأساسية لإفشال ما يسميه “مشروع العدو”.
وهنا تتحول إيران في خطاب قاسم من مجرد طرف في الصراع الإقليمي إلى نموذج يُستشهد به في مفهوم الصمود والمواجهة، وهو ما يعكس مركزية التجربة الإيرانية في الخطاب السياسي لمحور المقاومة.
الصمود بدلاً من التسوية
الرسالة الأبرز في خطاب قاسم تمثلت في التأكيد على أن التراجع أمام الولايات المتحدة وإسرائيل لن يؤدي إلى إنهاء الصراع، بل إلى مزيد من الخسائر.
وقال إن أي تراجع أمام العدو سيؤدي، بحسب تعبيره، إلى “إبادتنا”، معتبراً أن الصمود، مهما كانت تكلفته، قادر على إيقاف اندفاعة الخصم وفتح الطريق أمام استعادة المكانة السياسية والعسكرية لاحقاً.
ويعكس هذا الطرح فلسفة سياسية تقوم على أن تقديم التنازلات تحت الضغط لن يؤدي إلى الاستقرار، وأن كلفة المواجهة، مهما ارتفعت، تبقى أقل من كلفة الخضوع للمطالب الأمريكية والإسرائيلية.
الوحدة كأداة للمواجهة
لم يقدم قاسم الوحدة الإسلامية باعتبارها مجرد قيمة دينية أو اجتماعية، بل ربطها بصورة مباشرة بموازين القوة والصراع الإقليمي.
ففي خطابه، تصبح الوحدة وسيلة لمنع تفكك الجبهة الداخلية، وتوحيد القوى المناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة، وتوفير بيئة تسمح باستمرار المواجهة رغم العقوبات والضغوط العسكرية والسياسية.
كما ربط بين الانقسامات الداخلية وبين قدرة الخصوم على تحقيق أهدافهم، محذراً من أن انتقال الخلافات بين المسلمين إلى مواجهة داخلية يمكن أن يضعف القوى التي يعتبرها جزءاً من جبهة المواجهة.
تكشف تصريحات نعيم قاسم عن استمرار اعتماد حزب الله على خطاب سياسي يضع المنطقة أمام معادلة ثنائية واضحة: جبهة مواجهة تضم القوى التي ترفض النفوذ الأمريكي والإسرائيلي، في مقابل جبهة أخرى يعتبرها الحزب امتداداً للمشروع الغربي في المنطقة.
لكن هذا الخطاب يطرح في الوقت ذاته سؤالاً أكثر تعقيداً بشأن مفهوم “الوحدة الإسلامية” وحدوده السياسية. فالدعوة إلى تجاوز الخلافات قد تبدو، في بعدها العام، رسالة تهدف إلى منع الصراعات الداخلية، إلا أن ربطها بشكل مباشر بمشروع المواجهة العسكرية والسياسية يجعلها أيضاً جزءاً من استراتيجية إعادة تنظيم التحالفات الإقليمية حول قضية الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وتبرز إيران بصورة خاصة في هذا السياق، إذ لم يكن الحديث عن الوحدة منفصلاً عن الإشادة بصمود طهران، ما يمنح مفهوم الوحدة في الخطاب بعداً سياسياً يتجاوز البعد الديني إلى بناء جبهة إقليمية متماسكة في مواجهة الضغوط الخارجية.
يحمل خطاب نعيم قاسم رسالتين متوازيتين؛ الأولى موجهة إلى الداخل الإسلامي، ومفادها أن الخلافات يجب ألا تتحول إلى اقتتال أو صراع يشتت القوى ويضعفها، والثانية موجهة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، ومفادها أن الضغوط والعقوبات والعمليات العسكرية لن تدفع خصومهما، وفق رؤية حزب الله، إلى التخلي عن خيار المواجهة.
وبذلك تبدو “الوحدة” في خطاب قاسم أكثر من مجرد دعوة إلى التقارب بين المسلمين؛ فهي، في جوهرها السياسي، محاولة لتثبيت جبهة إقليمية تقوم على الصمود ورفض الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، مع إبقاء القضية الفلسطينية وإيران في مركز هذه الرؤية.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام هذا الطرح هو قدرة القوى التي تتبنى خطاب الوحدة والمقاومة على تحويله من شعار سياسي إلى تفاهمات عملية تمنع الصراعات الداخلية، وتحافظ في الوقت نفسه على استقرار الدول ومؤسساتها، خصوصاً في منطقة باتت فيها المواجهات الإقليمية تتقاطع بصورة مباشرة مع الأزمات الداخلية.
إذا أردت، أستطيع أيضاً تحويله إلى تقرير أكثر صدامية وجرأة سياسياً مع عنوان أقوى ومقدمة تلفت القارئ من السطر الأول.







