د. محمود محيي الدين
بين فخي «ثوسيديديس» و«كيندلبرجر»، ومحاولات تفادي السقوط فيهما، تتطور العلاقة الحرجة بين الصين كقوة عظمى صاعدة بقوة، والولايات المتحدة كقوة عظمى متشبثة بمركزها الذي اكتسبته بعد عهود من النمو المطرد، حتى استتب لها الأمر بعد قيادتها للدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، ثم انفرادها بالهيمنة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
ويستند فخ ثوسيديديس إلى رأي المؤرخ الإغريقي، الذي يحمل الفخ اسمه، بأن صعود أثينا المطرد كقوة صاعدة والخوف الذي أثاره في إسبرطة كقوة قائمة مستقرة جعلا الحرب حتمية.
أما فخ كيندلبرجر فيدور حول غياب القائد الدولي عند الحاجة لضبط الأمن وحفظ الاستقرار العالمي. فوفقاً للاقتصادي تشارلز كيندلبرجر فقد حدث الكساد الكبير في الثلاثينات بعد الانهيار المالي العالمي، لأن بريطانيا لم تعد قادرة على القيادة، والولايات المتحدة لم تكن راغبة فيها. وقد ترتب على ذلك تعرض المنافع العامة العالمية لاضطراب مع غياب مقرض الملاذ الأخير وعدم تنسيق السياسات الاقتصادية الكلية، فحدث الكساد بتبعات جسيمة انتهت بنشوب الحرب العالمية الثانية.
واستدعى غراهام أليسون، الأستاذ بجامعة هارفارد، مصطلح فخ ثوسيديديس في كتابه «مصيرهم الحرب» الصادر عام 2017، لشرح تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة المهيمنة والصين الصاعدة. ووفقاً لدراسة أليسون فهناك 16 حالة يرصدها التاريخ منذ صراع أثينا وإسبرطة، بين قوى صاعدة وأخرى قائمة انتهت 12 منها بالحرب. وفي تقديري أن ما يمنع الوقوع في مستنقع «الحرب التقليدية» بينهما أمران: الأول قوة الردع المتبادلة بين دولتين نوويتين، والثاني هي حكمة الصين بضبط النفس وعدم التصعيد.
وفي أثناء الزيارة الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الصين، ورد مصطلح فخ ثوسيديديس في كلمة الرئيس الصيني شي جينبينغ، بتأكيده على أن «التحول العالمي الذي امتد على مدار قرن يتسارع». وطرح تساؤلاً: «هل ستستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز ما يسمى فخ ثوسيديديس، وإيجاد نموذج جديد لعلاقات الدول الكبرى لمواجهة التحديات العالمية معاً وتوفير مزيد من الاستقرار للعالم؟»، فالرئيس الصيني يكرر ما ذكره من قبل، منذ عام 2013، في مناسبات دولية عديدة، خاصة عند لقائه مع القادة الأميركيين، من أنه لا حتمية للسقوط في فخ ثوسيديديس، وأن المشكلة ليست في صعود الصين إنما الخوف من صعودها.
وإذا أمكن، حتى الآن، تفادي السقوط في فخ ثوسيديديس الذي يدور حول صراع القوى، فإن فخ كيندلبرجر أقرب خطراً لغياب التنسيق الدولي الفعال في قضايا رئيسية. وتتصاعد مخاطر عدة لا يمكن إدراكها بمعزل عما تعانيه العلاقات الدولية من غياب للثقة في قواعدها ومعاييرها، وحوكمة المؤسسات الدولية وتراجع قدراتها على إنجاز مهامها وتضخم النزاعات الجيوسياسية وآثارها. ونرى اليوم نماذجَ عدة لقصور التعاون الدولي منها الديون السيادية التي تعاني منها بلدان نامية، ومهددات الصحة العامة على النحو الذي تجلى في أزمة كورونا، فضلاً عن مخاطر تغيرات المناخ.
وبين الفخين تتصاعد المخاطر بتداعيات وتكاليف لا تقع أعباؤها فقط على القوى المتصارعة فحسب، بل على الدول الأفقر التي تعتمد على استقرار النظام لتيسير التجارة والتمويل والتوقي من الصدمات. وليس من عجب، في ظل هذه الأوضاع، أن يتكرر حدوث الأزمات بتداعيات اقتصادية واجتماعية حادة. ومعها تتردد مقولات أن مع كل أزمة محنة ومنحة، لكن لا يرى عموم الناس منها إلا المعاناة مع المحن، مع كلمات للطمأنة بأن ما يعانونه من العوارض المؤقتة لعواقب غير مقصودة.
وإذا كانت الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى، كما قال المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتس في كتابه عن الحرب المنشور في عام 1832، فللحرب أيضاً وسائل أخرى غير عسكرية ومن أخطرها الاقتصاد. ومن وسائله وعتاده حروب التجارة والعملات والعقوبات المالية وتسليح سلاسل الإمداد، وتقييد تصدير الطاقة والمستلزمات التكنولوجية.
وفي عالم وصفته في مقال سابق بأنه منزوع الأوصال، تتصاعد حمى التوتر والصراع الجيوسياسية مع هشاشة الإطار المؤسسي الدولي، وجموده بما يعجز معه أمر حسم النزاعات والخلافات التي تنشب خاصة في مجالات التجارة وتصاعد الحمائية فضلاً عن قيود الاستثمار والتكنولوجيا. ويشرح المحلل السياسي إدوارد فيشمان في مجلة «فورين أفيرز» كيفية القيام بحرب اقتصادية، فالعالم لم يعد قائماً على التعاون بل الاستقطاب والتفتيت. وضرب أمثلة بالتوتر والصراع في «نقاط الاختناق»، التي تعرف بإحكام سيطرة دولة واحدة عليها، وعدم وجود بدائل ميسرة لها، ويمكن استخدامها في الضغط على الخصوم والغرماء. وقد تختلق نقطة اختناق من خلال استخدام أدوات ومنتجات اقتصادية مثل الدولار الأميركي، وأشباه الموصلات، والمعادن الحرجة النادرة.
ومن الملاحظ أنه كلما استخدمت الولايات المتحدة قوتها الاقتصادية سلاحاً، سارعت البلدان الأخرى في البحث عن بديل سريع لتقليل الاعتماد عليها. فمع تسليح الدولار ونظمه، لجأت البلدان للذهب وأصول مالية أخرى، وتبنت نظم دفع بديلة عوضاً عن تقييد استخدام السويفت كما فعلت الصين وروسيا. كما ظهر جلياً ما اتخذته الصين من إجراءات لتحقيق سيادتها التكنولوجية في زيارة الرئيس ترمب الأخيرة لها. وليس السبيل للاستقرار الدولي بمنع المنافسة واستنزاف الطاقات بعرقلة الدول الصاعدة في سباق الأمم. ولا يكمن الحل في استبدال قوة مهيمنة بأخرى حتى لا يحدث فراغ وتجنب فخ كيندلبرجر، فالعلاج يكمن بنظام كفء وعادل متعدد الأطراف، يتمتع بالشرعية والثقة في قواعده. والبداية الأوفق تأتي بتوطين التنمية ودفع التعاون الإقليمي.







