حرية
أظهرت بيانات تحليلية حديثة أن اليابان تواجه تسارعاً في وتيرة الانكماش السكاني، بعدما سجلت نحو ربع البلديات انخفاضاً تجاوز 10% في عدد سكانها خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2025، في مؤشر يعكس تعمق الأزمة الديموغرافية التي تواجهها البلاد.
ووفقاً لتحليل أجرته وكالة “كيودو نيوز” استناداً إلى بيانات التعداد السكاني، ارتفع عدد البلديات التي شهدت انخفاضاً حاداً في عدد السكان من 247 بلدية خلال الفترة بين 2015 و2020 إلى 477 بلدية خلال السنوات الخمس اللاحقة، ما يؤكد تسارع وتيرة التراجع السكاني.
وسجلت مدينة سوزو في محافظة إيشيكاوا أكبر نسبة انخفاض بلغت نحو 34%، متأثرة بتداعيات الزلزال القوي الذي ضرب المنطقة عام 2024، فيما شهدت مقاطعات إيوات وأكيتا وكوتشي تراجعاً مماثلاً في أكثر من نصف بلدياتها.
واعتمد التحليل على مقارنة النتائج الأولية لتعداد عام 2025 مع بيانات تعداد عام 2020، وشمل 1892 بلدية، بينها مناطق إدارية في المدن اليابانية الكبرى.
ورغم تسجيل زيادة سكانية في 243 بلدية، فإن الاتجاه العام لا يزال يميل نحو الانكماش، في ظل استمرار انخفاض معدلات المواليد وارتفاع نسبة كبار السن، وهي عوامل تجعل معالجة الأزمة أكثر تعقيداً.
وكانت وزارة الصحة اليابانية قد أعلنت في وقت سابق أن معدل الخصوبة سجل في عام 2024 أدنى مستوى له على الإطلاق، ليستمر التراجع للعام التاسع على التوالي، في وقت تكافح فيه الحكومة لاحتواء تداعيات الشيخوخة السكانية والحفاظ على استدامة الاقتصاد والخدمات العامة.
تعكس هذه الأرقام أن اليابان لم تعد تواجه مجرد انخفاض في عدد السكان، بل دخلت مرحلة الانكماش الديموغرافي العميق، حيث تتداخل الشيخوخة السكانية مع انخفاض معدلات الإنجاب والهجرة المحدودة، لتشكل تحدياً هيكلياً طويل الأمد يصعب معالجته بإجراءات قصيرة الأجل.
وتحمل هذه التحولات انعكاسات مباشرة على الاقتصاد، إذ يؤدي تقلص عدد السكان في سن العمل إلى نقص الأيدي العاملة، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والتقاعد، وتباطؤ الطلب المحلي، وهو ما يضغط على معدلات النمو الاقتصادي ويزيد الأعباء المالية على الحكومة.
كما ينعكس الانكماش السكاني على مستوى الخدمات العامة، خاصة في المناطق الريفية، حيث تصبح الحكومات المحلية أمام صعوبة في الحفاظ على المدارس والمستشفيات وشبكات النقل والبنية التحتية مع انخفاض عدد السكان وتراجع الإيرادات الضريبية.
من المرجح أن تستمر اليابان في مواجهة تحديات ديموغرافية متصاعدة خلال السنوات المقبلة، حتى مع تبني سياسات لتشجيع الإنجاب ودعم الأسر. ويرى خبراء أن الحلول قد تتطلب مزيجاً من الإصلاحات، يشمل توسيع الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتعويض نقص العمالة، وزيادة مشاركة النساء وكبار السن في سوق العمل، إلى جانب مراجعة سياسات الهجرة بشكل تدريجي. وفي حال استمرار الاتجاه الحالي، فإن الانكماش السكاني سيبقى أحد أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل الاقتصاد الياباني وقدرته على الحفاظ على مستويات النمو والاستدامة المالية.







