حرية
فرض الاتحاد الأوروبي، الاثنين، حزمة عقوبات جديدة على السودان استهدفت قطاع الذهب، في خطوة تهدف إلى الحد من مصادر تمويل الصراع العسكري المستمر بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
وأعلن مجلس الاتحاد الأوروبي حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب السوداني، إلى جانب منع تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، وهما من المواد الأساسية المستخدمة في عمليات استخراج الذهب، في إطار تشديد القيود الاقتصادية على الأنشطة المرتبطة بقطاع التعدين.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت تشير فيه تقديرات رسمية سودانية إلى أن عمليات تهريب الذهب وعدم إعادة حصائل الصادرات تحرم خزينة الدولة من أكثر من ستة مليارات دولار سنوياً.
وبحسب تقرير الشركة السودانية للموارد المعدنية، بلغ إنتاج الذهب خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 نحو 53 طناً بقيمة تقارب سبعة مليارات دولار، إلا أن العائدات التي دخلت خزينة الدولة لم تتجاوز 909 ملايين دولار، ما يعكس اتساع حجم التجارة غير الرسمية والتهريب.
كما سجل قطاع التعدين التقليدي نمواً كبيراً تجاوز 500% مقارنة بالأعوام السابقة، بالتزامن مع تحسن إنتاج الشركات المنظمة، الأمر الذي عزز مكانة الذهب بوصفه المورد الاقتصادي الأهم في السودان خلال سنوات الحرب.
تمثل العقوبات الأوروبية تحولاً في أسلوب التعامل مع الأزمة السودانية، إذ انتقلت الضغوط من استهداف الأفراد والكيانات إلى ضرب أحد أهم الموارد الاقتصادية التي يعتمد عليها أطراف الصراع في تمويل عملياتهم العسكرية.
ويعد الذهب اليوم العمود الفقري للاقتصاد السوداني، خصوصاً بعد تراجع قطاعات الإنتاج الأخرى بفعل الحرب، كما أصبح أحد أبرز مصادر الحصول على العملات الأجنبية، سواء عبر القنوات الرسمية أو شبكات التهريب.
لكن تأثير العقوبات قد يكون محدوداً على المدى القصير، لأن معظم الذهب السوداني يغادر البلاد عبر طرق غير رسمية إلى أسواق إقليمية وعالمية، وهو ما يقلل من قدرة القيود الأوروبية وحدها على وقف تدفق الإيرادات إلى أطراف النزاع.
وفي المقابل، قد تدفع العقوبات شبكات التهريب إلى توسيع نشاطها والبحث عن أسواق جديدة خارج المنظومة الأوروبية، الأمر الذي قد يعزز الاقتصاد الموازي بدلاً من تقليصه، ما لم تترافق هذه الإجراءات مع تعاون دولي وإقليمي لإغلاق مسارات التهريب.
كما أن حظر تصدير الزئبق والسيانيد يحمل بعداً آخر يتمثل في استهداف عمليات استخراج الذهب نفسها، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقليص كميات الذهب المستخرجة على المدى المتوسط، لكنه قد يدفع أيضاً إلى تنامي التعدين غير القانوني باستخدام وسائل أكثر خطورة.
سياسياً، تحمل العقوبات رسالة أوروبية بأن استمرار الحرب ستكون له كلفة اقتصادية متزايدة، وأن المجتمع الدولي يسعى إلى تجفيف الموارد المالية التي تغذي الصراع، إلا أن نجاح هذه الاستراتيجية يبقى مرتبطاً بقدرة المجتمع الدولي على ملاحقة شبكات التهريب العابرة للحدود، وليس الاكتفاء بحظر التجارة الرسمية.
وفي حال اتسعت دائرة العقوبات لتشمل الأسواق الوسيطة وشركات الوساطة وشبكات التصدير، فقد يواجه قطاع الذهب السوداني ضغوطاً غير مسبوقة، الأمر الذي قد ينعكس على قدرة أطراف الصراع في تمويل عملياتها العسكرية، لكنه في الوقت نفسه قد يزيد من تعقيد الأوضاع الاقتصادية والإنسانية داخل السودان، الذي يعيش واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخه الحديث.







