حرية | الاربعاء 25 آذار 2026
لم تعد الضربات التي تتعرض لها الأراضي العراقية مجرد حوادث أمنية متفرقة يمكن إدراجها ضمن سياق الخروقات التقليدية، بل تحولت إلى مؤشرات واضحة على تغير عميق في طبيعة الصراع داخل البلاد.
العراق اليوم لم يعد مجرد ساحة عبور للتوترات، بل أصبح مسرحاً مفتوحاً لتبادل الرسائل الإقليمية والدولية، تُكتب بالصواريخ حيناً، وبالبيانات السياسية حيناً آخر، وبالصمت الرسمي في كثير من الأحيان.
خلال ساعات قليلة فقط، تشكلت صورة مركبة بثلاثة أحداث متزامنة:
ضربة دامية استهدفت قاعدة الحبانية وأوقعت قتلى وجرحى.
اعتراف إيراني نادر بقصف “خاطئ” طال قوات البشمركة في كردستان.
تصعيد رسمي عراقي بلغ حد استدعاء القائم بالأعمال الأميركي والتلويح بالتدويل.
هذه الوقائع مجتمعة لا تعكس مجرد تصعيد ميداني، بل تشير إلى تحول خطير في قواعد الاشتباك داخل العراق.
أولاً: ضربة الحبانية… استهداف العمق العملياتي
تعرض موقع عسكري داخل قاعدة الحبانية في الأنبار لضربة جوية دقيقة أدت إلى مقتل 7 عناصر وإصابة 13 آخرين، بينهم قيادات ميدانية، ما يؤكد أن الضربة لم تكن عشوائية بل محسوبة بعناية.
قاعدة الحبانية تمثل نقطة حساسة في المعادلة الأمنية، إذ تشكل:
مركزاً عملياتياً مهماً في غرب العراق
عقدة لوجستية تربط بين عدة مسارات أمنية
موقعاً ضمن توازن العلاقة بين العراق والتحالف الدولي
استهداف هذا الموقع يحمل رسائل متعددة:
اختبار الجاهزية الأمنية العراقية
توجيه رسالة ردع للفصائل المسلحة
ممارسة ضغط مباشر على الحكومة العراقية
طبيعة الضربة من حيث الدقة والتوقيت تشير إلى نمط عملياتي متقدم، ينسجم مع ما يُعرف بالضربات “عالية التأثير محدودة النطاق”.
ثانياً: الاعتراف الإيراني… بين الخطأ والرسالة
إقرار إيران بأن قصف مواقع البشمركة جاء “عن طريق الخطأ” يمثل تطوراً نادراً في السلوك السياسي والعسكري الإيراني.
هذا الاعتراف يمكن قراءته من عدة زوايا:
ندرة الاعتراف: إيران نادراً ما تقر بأخطاء عملياتية خارج حدودها
احتواء الأزمة: محاولة لتفادي تصعيد مع أربيل وبغداد
رسالة غير مباشرة: تأكيد القدرة على العمل داخل العمق العراقي
خطر الأخطاء: إدخال عنصر غير محسوب في بيئة مشتعلة
الأخطر في هذا السياق أن “الخطأ” لم يعد مجرد حادث عرضي، بل تحول إلى عامل تهديد استراتيجي قد يقود إلى تصعيد غير مقصود.
ثالثاً: بغداد تتحرك… من الاحتواء إلى التدويل
التحول الأهم في المشهد كان في الموقف العراقي الرسمي، حيث انتقلت الحكومة من ردود الفعل التقليدية إلى خطوات عملية:
إدانة الهجوم بوصفه عدواناً
استدعاء القائم بالأعمال الأميركي
تقديم مذكرة احتجاج رسمية
التلويح برفع الملف إلى مجلس الأمن
هذا التحول يعكس انتقال العراق من:
سياسة امتصاص الضربات إلى محاولة فرض معادلة سيادية عبر القانون الدولي
الدلالات الأساسية لهذا التحرك:
استخدام أدوات ضغط دبلوماسية
محاولة استعادة هيبة الدولة
تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة
رابعاً: العراق كساحة اشتباك متعدد الأطراف
عند ربط الأحداث الثلاثة، تتشكل صورة واضحة لواقع جديد:
محور أميركي – إسرائيلي يستهدف البنية العسكرية للفصائل
محور إيراني ينشط في المناطق الحدودية وكردستان
الداخل العراقي يواجه ضغطاً سياسياً وانقساماً في المواقف
وهنا تظهر الحقيقة الأبرز:
العراق لم يعد ساحة نفوذ فقط، بل تحول إلى ساحة اشتباك فعلي متعدد الأطراف.
خامساً: التحولات في قواعد الاشتباك
المشهد الحالي يكشف عن تغيرات جوهرية:
ارتفاع مستوى الجرأة في الضربات واستهداف مواقع حساسة
تراجع هامش الإنكار مع ظهور اعترافات ومواقف رسمية
دخول عنصر الخطأ كعامل تصعيد غير قابل للضبط
هذه التحولات تعني أن:
المنظومة التقليدية لإدارة الصراع داخل العراق بدأت تتآكل بشكل واضح.
سادساً: كسر قواعد الاشتباك… واقع أم بداية؟
القواعد السابقة كانت تقوم على:
ضربات محدودة
إنكار متبادل
تجنب استهداف مواقع حساسة
أما الآن:
الضربات أكثر دقة وجرأة
الاعترافات بدأت تظهر
الردود السياسية أصبحت أكثر حدة
وهذا يشير إلى أن:
العراق دخل فعلياً مرحلة انتقالية نحو كسر تدريجي لقواعد الاشتباك.
سابعاً: السيناريوهات المحتملة
المشهد الحالي يفتح الباب أمام ثلاثة مسارات رئيسية:
احتواء التصعيد: استمرار الضربات المحدودة مع تصعيد سياسي مضبوط
تصعيد تدريجي: زيادة العمليات وتوسع الردود غير المباشرة
انفجار غير مقصود: نتيجة خطأ ميداني أو استهداف خاطئ
ثامناً: موقع العراق في المعادلة
العراق يقف اليوم بين خيارين معقدين:
الحفاظ على الحياد
أو الانجرار إلى صراع إقليمي أوسع
فهو ليس طرفاً مباشراً في الحرب، لكنه يتعرض لتداعياتها بشكل مباشر، ما يفرض عليه معادلة صعبة:
كيف يحمي سيادته دون أن يتحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة؟
الخاتمة
ما بين الحبانية وكردستان، وبين الضربة والاعتراف والاحتجاج، يتشكل مشهد جديد في العراق لا تحكمه القواعد القديمة ولا يمكن احتواؤه بالأدوات التقليدية.
العراق اليوم يقف أمام اختبار حقيقي:
اختبار قدرته على حماية سيادته
اختبار تماسك مؤسساته
اختبار قدرته على البقاء خارج صراع يشتعل حوله
والأخطر من كل ذلك، أن عنصر “الخطأ” دخل بقوة في معادلة الصراع، وهو العامل الأكثر خطورة في الحروب غير المعلنة.
لأن الحروب التي تبدأ بالخطأ… غالباً لا تنتهي بسهولة.







