حرية
أنهى التبادل المفاجئ للضربات بين الولايات المتحدة وإيران هدنة استمرت نحو شهر، ليعيد المنطقة إلى مربع التصعيد، ويكشف مجدداً هشاشة التهدئة بين الطرفين، في ظل غياب مسار دبلوماسي واضح قادر على معالجة الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها العقوبات والبرنامج النووي ومضيق هرمز ومستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
ورغم أن الضربة الأميركية الأخيرة وُصفت بأنها “محدودة ودقيقة”، فإن الرد الإيراني عليها، بالتزامن مع تحركات عسكرية في محيط الخليج، يطرح سؤالاً أكبر من حدود العملية نفسها: هل كانت الضربات مجرد رسالة متبادلة لضبط قواعد الاشتباك، أم أنها مقدمة لجولة جديدة من المواجهة المفتوحة؟
لماذا عادت الضربات؟
يبدو أن عودة الخيار العسكري لم تأتِ من فراغ، بل جاءت بعد تعثر سلسلة من الاتصالات والتحركات الدبلوماسية التي حاولت منع التصعيد وفتح نافذة للحوار.
فخلال الأيام الماضية، تحركت أطراف إقليمية عدة باتجاه طهران، في محاولة للتوصل إلى صيغة تتيح خفض التوتر، إلا أن الخلافات بقيت قائمة، خصوصاً بشأن مضيق هرمز.
وتتمسك إيران بشروط مرتفعة السقف، تشمل إنهاء الحرب ورفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة ودفع التعويضات، قبل الدخول في ترتيبات نهائية بشأن المضيق.
وفي المقابل، يبدو أن واشنطن تراهن بصورة متزايدة على الضغط الاقتصادي والعسكري لإجبار طهران على تقديم تنازلات، بدلاً من تقديم تنازلات مسبقة في الملفات التي تعتبرها الإدارة الأميركية جزءاً من شروط التسوية.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته، ولذلك لا يرى ضرورة لتقديم تنازل كبير الآن.
مضيق هرمز.. عقدة الصراع
لم يعد مضيق هرمز مجرد ورقة ضغط إيرانية، بل تحول إلى أحد أهم مفاتيح المواجهة.
فالسيطرة على أمن الملاحة في المضيق تمنح طهران قدرة على التأثير في أسواق الطاقة العالمية، بينما ترى واشنطن أن السماح بتهديد حركة السفن التجارية يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
ومن هنا يمكن فهم التحركات الأميركية الأخيرة، سواء عبر مراقبة حركة الملاحة أو إزالة الألغام أو التهديد باستهداف القوات الإيرانية التي تعرقل السفن.
لكن الجانب الآخر من المعادلة أن إيران تدرك أن أي مواجهة واسعة في المضيق ستترك تداعيات اقتصادية عالمية، ولذلك فإن استخدامها للمضيق يبدو أقرب إلى أداة ضغط تفاوضية منه إلى رغبة فورية في خوض حرب شاملة.
المشكلة أن هذه الورقة قد تتحول في أي لحظة من وسيلة للضغط إلى شرارة للتصعيد، خصوصاً إذا وقع حادث عسكري كبير أو استهدفت سفينة مدنية أو سقطت خسائر بشرية.
الحصار الاقتصادي.. الحرب التي لا تتوقف
حتى عندما تتوقف الطائرات والصواريخ، لا تتوقف المواجهة بين واشنطن وطهران.
فالضغط الاقتصادي الأميركي يمثل مساراً موازياً للحرب العسكرية، وتراهن الإدارة الأميركية على أن استمرار العقوبات وتضييق الخناق على الاقتصاد الإيراني سيؤدي في النهاية إلى دفع طهران نحو التفاوض من موقع أضعف.
لكن هذا الرهان يحمل مخاطرة كبيرة.
إيران، التي تواجه الضغوط الاقتصادية منذ سنوات، قد لا تستجيب بالضرورة من خلال التراجع، بل قد تلجأ إلى رفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها، سواء عبر مضيق هرمز أو الأدوات الإقليمية أو الهجمات غير المباشرة.
وبذلك تتحول العقوبات إلى عنصر إضافي في معادلة التصعيد بدلاً من أن تكون طريقاً سريعاً إلى التسوية.
هل تريد واشنطن حرباً جديدة؟
المؤشرات الحالية لا تعني بالضرورة أن الولايات المتحدة قررت الذهاب إلى حرب شاملة.
فاللغة المستخدمة في وصف الضربة الأميركية باعتبارها “محدودة ودقيقة”، إلى جانب التركيز على أهداف عسكرية مرتبطة بالتهديد الملاحي، توحي بأن واشنطن تريد إرسال رسالة مفادها أن الضغط على الملاحة سيقابَل بالقوة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة فتح حرب واسعة.
لكن المشكلة تكمن في أن الحروب لا تبدأ دائماً بقرار معلن.
فقد تبدأ بضربة محدودة، ثم رد محدود، ثم رد على الرد، قبل أن تجد الأطراف نفسها أمام سلسلة من العمليات العسكرية يصعب إيقافها.
وهذا هو الخطر الحقيقي في المرحلة الحالية.
إيران أيضاً لا تبدو راغبة في التراجع
في المقابل، لا تبدو طهران مستعدة لتقديم تنازلات مجانية.
فإغلاق المضيق أو تهديد الملاحة يمثل ورقة استراتيجية بالنسبة إليها، كما أن قبول شروط واشنطن تحت ضغط عسكري واقتصادي قد يُنظر إليه داخلياً باعتباره تراجعاً كبيراً.
لذلك قد تفضل إيران سياسة تقوم على رفع كلفة الضغط الأميركي من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من الضربات المحدودة والرسائل العسكرية والضغوط الاقتصادية، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً في الوقت نفسه.
الخطر الأكبر.. الحسابات الخاطئة
المعادلة الحالية شديدة الحساسية؛ الولايات المتحدة تريد حرية الملاحة والضغط على إيران، وإيران تريد كسر الحصار أو تخفيفه والحصول على ضمانات سياسية واقتصادية.
وبين الهدفين، يقف مضيق هرمز باعتباره نقطة تماس مباشرة.
وأي حادث كبير، مثل استهداف سفينة أميركية أو ناقلة نفط، أو سقوط عدد كبير من الضحايا في ضربة متبادلة، يمكن أن يغير قواعد اللعبة خلال ساعات.
لذلك فإن أخطر ما تواجهه المنطقة ليس بالضرورة وجود قرار أميركي أو إيراني بحرب شاملة، وإنما غياب الثقة وارتفاع مستوى الاحتكاك العسكري.
هدنة بين حربين؟
المشهد الحالي يوحي بأن الهدنة السابقة لم تكن تسوية حقيقية، وإنما فترة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق.
فالضغط الاقتصادي مستمر، والمواجهة البحرية مستمرة، والتهديدات المتبادلة لم تتوقف، والاتصالات الدبلوماسية لم تتمكن حتى الآن من إنتاج اتفاق قابل للاستمرار.
وعليه، فإن السؤال لم يعد فقط: هل ستعود الحرب؟
بل أصبح: هل تستطيع واشنطن وطهران منع الهدنة من التحول إلى حرب جديدة؟
حتى الآن، تبدو الإجابة غير محسومة.
فالطرفان يدركان أن الحرب الشاملة ستكون مكلفة، لكن كلاً منهما يريد تحسين موقعه قبل العودة إلى طاولة التفاوض. وهذه الاستراتيجية قد تنجح إذا بقيت الضربات ضمن حدود محسوبة، لكنها قد تنقلب إلى كارثة إذا تجاوز أحد الطرفين الخطوط التي رسمها الآخر.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو الشرق الأوسط أمام هدنة مسلحة أكثر منها سلاماً، وحرب اقتصادية تتخللها ضربات عسكرية، ومفاوضات مؤجلة بانتظار أن يقتنع أحد الطرفين بأن كلفة الاستمرار أصبحت أكبر من كلفة التنازل.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة المقبلة: أن تتحول الضغوط المتبادلة من وسيلة للوصول إلى التفاوض إلى بديل دائم عنه، فتغدو المنطقة عالقة بين حرب لم تنتهِ وتسوية لم تبدأ.






