حرية
عندما اعتلى دونالد ترامب المنصة خلال حملته الانتخابية لعام 2024، قدّم وعداً واضحاً للناخبين الأميركيين: إعادة إحياء الصناعة المحلية واستعادة وظائف التصنيع والطاقة إلى المدن الصناعية الكبرى، وفي مقدمتها ديترويت، مع التعهد بأن الرسوم الجمركية ستدفع الشركات إلى إعادة الإنتاج داخل الولايات المتحدة وتوفر ملايين فرص العمل.
لكن بعد أكثر من عام على عودته إلى البيت الأبيض، تبدو الصورة أكثر تعقيداً؛ فالإنتاج الصناعي والاستثمارات يسجلان مؤشرات انتعاش، إلا أن الوظائف الجديدة لا تزال بعيدة جداً عن حجم الوعود السياسية، وفق تحليل لمجلة «الإيكونوميست».
أرقام تمنح ترامب ورقة قوة
يملك ترامب بالفعل مجموعة من المؤشرات التي يمكنه استخدامها للدفاع عن سياساته الصناعية، إذ أظهر استطلاع معهد إدارة التوريد توسعاً في نشاط المصانع خلال عدة أشهر منذ بداية العام.
كما نما الإنتاج التصنيعي الحقيقي بمعدل سنوي بلغ 4.5 في المئة خلال النصف الأول من عام 2026، وهو أسرع معدل منذ عام 2011، وفق بيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وفي قطاع السيارات، الذي يمثل أحد أبرز أهداف السياسة التجارية الأميركية، ارتفع الإنتاج بنحو 9 في المئة بين ديسمبر 2025 ويوليو 2026.
كما أعلنت شركات كبرى، بينها فورد وجنرال موتورز، نقل أجزاء من خطوط إنتاجها من الصين إلى الولايات المتحدة لتجنب الرسوم الجمركية المرتفعة، بينما نقلت ستيلانتس وهوندا بعض عملياتها المستقبلية من كندا والمكسيك إلى الأراضي الأميركية.
هذه التطورات تمنح الإدارة الأميركية دليلاً على أن استراتيجية إعادة التصنيع بدأت تدفع بعض الشركات إلى التفكير مجدداً في الاستثمار داخل الولايات المتحدة.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل ارتفاع الإنتاج يعني فعلاً عودة الوظائف؟
الرسوم الجمركية ليست القصة كاملة
رغم محاولة الإدارة الأميركية ربط الانتعاش الصناعي بالرسوم الجمركية، فإن البيانات تشير إلى أن الصورة أكثر تعقيداً.
ففي قطاع السيارات، على سبيل المثال، لا يمكن تفسير زيادة الإنتاج بالكامل بالحماية الجمركية، إذ استفاد القطاع أيضاً من التعافي من اضطرابات سلاسل الإمداد التي أثرت في الإنتاج خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، ترفع الرسوم تكلفة بعض المكونات المستوردة التي لا تزال المصانع الأميركية تعتمد عليها. وتقدر جنرال موتورز أن تؤدي الرسوم الجمركية إلى تكبدها خسائر تتراوح بين 2.5 و3.5 مليار دولار خلال عام 2026.
كما أن جزءاً من الاستثمارات التي تظهر اليوم في قطاعات صناعية عدة بدأ قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض، مستفيداً من برامج دعم واستثمارات أقرتها الإدارة السابقة، ولا سيما في مجالات الطاقة وتحديث البنية التحتية.
وبذلك، فإن نسبة من الانتعاش الصناعي الحالي تبدو مرتبطة بتراكم استثمارات وسياسات سابقة، وليس بالرسوم الجمركية وحدها.
الذكاء الاصطناعي.. المصنع الجديد بلا ملايين العمال
المفارقة الأكبر تظهر عند النظر إلى طبيعة القطاعات التي تقود النمو.
فطفرة الذكاء الاصطناعي والاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية أصبحت من المحركات الرئيسية للتصنيع الأميركي، مع نمو قوي في إنتاج أشباه الموصلات والمكونات الإلكترونية ومعدات تبريد مراكز البيانات والأسمنت وغيرها من المنتجات المرتبطة بالتوسع التكنولوجي.
وهنا تتغير معادلة الصناعة نفسها.
فالمصنع الأميركي الحديث لم يعد يحتاج إلى آلاف العمال كما كان الحال في العقود الماضية، بل يعتمد بصورة متزايدة على الروبوتات والأتمتة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي، بما يسمح للشركات بزيادة الإنتاج من دون زيادة مماثلة في أعداد الموظفين.
ولهذا السبب، يمكن أن ترتفع قيمة الإنتاج والاستثمارات والمصانع الجديدة في الوقت الذي يبقى فيه عدد الوظائف الجديدة محدوداً.
31 ألف وظيفة فقط
بالنسبة إلى الناخب الأميركي، لا تكفي أرقام الإنتاج والاستثمار للحكم على نجاح السياسة الصناعية؛ فالاختبار الحقيقي يبقى في سوق العمل.
وهنا تظهر الفجوة بوضوح.
فقد أضاف قطاع التصنيع نحو 31 ألف وظيفة فقط خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، في وقت فقد فيه القطاع أكثر من 315 ألف وظيفة خلال الأعوام القليلة الماضية، وفق التحليل.
كما أن جزءاً كبيراً من الوظائف الجديدة يتركز في مجالات الطيران والبنية التحتية التكنولوجية، وليس بالضرورة في الصناعات التقليدية التي كانت تمثل العمود الفقري لمدن مثل ديترويت وغيرها.
وبالتالي، فإن الولايات المتحدة قد تكون أمام نهضة صناعية من دون نهضة مماثلة في وظائف الطبقة العاملة.
ترامب يعيد المصانع.. لكن ليس بالضرورة العمال
تكشف التجربة الحالية عن تحول جوهري في مفهوم إعادة التصنيع الأميركي.
فعودة مصنع إلى الولايات المتحدة لا تعني بالضرورة عودة المصنع الذي عرفته المدن الصناعية قبل عقود. المصنع الجديد أكثر اعتماداً على الآلات وأقل اعتماداً على العمالة البشرية، وأكثر حاجة إلى المهندسين والفنيين وخبراء البرمجيات والأتمتة.
وهذا يعني أن الوظائف التي تخلقها النهضة الصناعية الجديدة تختلف عن تلك التي يتذكرها العمال والناخبون من العصر الذهبي للصناعة الأميركية.
قد تنجح الرسوم الجمركية في دفع شركات إلى نقل خطوط إنتاج أو بناء مصانع جديدة داخل الولايات المتحدة، وقد تنجح الحكومة في زيادة الإنتاج المحلي وجذب مليارات الدولارات من الاستثمارات، لكن استعادة ملايين الوظائف الصناعية التقليدية تبدو مهمة أكثر صعوبة بكثير.
المفارقة أن التكنولوجيا التي تساعد ترامب على تحقيق جزء من وعده بإعادة الصناعة إلى أميركا هي نفسها التي تقلل الحاجة إلى العمال الذين كان يفترض أن يستفيدوا من هذه العودة.
وهكذا، قد يستطيع ترامب أن يقول إن المصانع عادت إلى أميركا، لكن السؤال الذي سيظل يلاحقه سياسياً واقتصادياً هو: أين ذهبت الوظائف التي وعد بها؟







