حرية
عندما سقط تمثال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد يوم التاسع من نيسان عام 2003، كان علي الزيدي شاباً لم يكمل دراسته الثانوية بعد، بعيداً عن دوائر السياسة وصراعات السلطة التي بدأت تتشكل في العراق الجديد. وبعد أكثر من عقدين على ذلك المشهد التاريخي، وجد نفسه في موقع مختلف تماماً، متقدماً إلى صدارة المشهد السياسي بوصفه رئيساً لمجلس الوزراء في مرحلة توصف بأنها واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ العراق الحديث.
وينتمي الزيدي إلى جيل لم يكن جزءاً من النخبة السياسية التي عادت إلى العراق بعد عام 2003 أو التي شاركت في تأسيس النظام السياسي الجديد. ففي الوقت الذي انشغل فيه قادة الأحزاب والقوى السياسية بتقاسم السلطة وفق نظام المحاصصة، اتجه الزيدي نحو قطاع المال والأعمال، حيث تمكن خلال سنوات قليلة من بناء شبكة واسعة من الاستثمارات والنشاطات الاقتصادية التي جعلته من أبرز رجال الأعمال في البلاد.
رجل اقتصاد في مواجهة إرث سياسي ثقيل
على خلاف معظم رؤساء الحكومات الذين سبقوه، لا ينحدر الزيدي من خلفية حزبية تقليدية، بل من بيئة اقتصادية ومصرفية. وقد عزز هذا المسار بحصوله على مؤهلات أكاديمية في المالية والمصرفية والقانون، فضلاً عن إدارته عدداً من المؤسسات الاقتصادية والتعليمية والمصرفية.
هذا المسار المختلف منح الزيدي صورة “رجل الإدارة والاقتصاد” أكثر من صورة السياسي التقليدي، وهو ما دفع بعض القوى إلى اعتباره خياراً مناسباً لقيادة مرحلة تواجه فيها الدولة العراقية تحديات مالية واقتصادية متراكمة، تتعلق بتضخم القطاع العام، واعتماد الموازنة على الإيرادات النفطية، وتراجع فرص التنويع الاقتصادي.
نهاية احتكار جيل 2003
منذ سقوط النظام السابق، احتكرت مجموعة محددة من الشخصيات السياسية إدارة الدولة العراقية، وتناوبت على السلطة ضمن إطار القوى التي تشكلت بعد الاحتلال الأمريكي. وشهد العراق خلال تلك السنوات تداولاً للسلطة داخل الدائرة ذاتها تقريباً، من دون أن يتمكن جيل جديد من الوصول إلى مواقع القرار العليا.
وصول الزيدي إلى رئاسة الحكومة كسر هذه المعادلة للمرة الأولى بصورة واضحة، إذ يمثل جيلاً مختلفاً لم يشارك في المعارضة التقليدية للنظام السابق، ولم يكن جزءاً من ترتيبات ما بعد 2003. لذلك ينظر كثير من المراقبين إلى صعوده باعتباره بداية لتحول سياسي يتجاوز مجرد تغيير الأشخاص إلى تغيير طبيعة النخبة الحاكمة نفسها.
الدور الأمريكي والقبول الإقليمي
يرى مراقبون أن صعود الزيدي لم يكن نتيجة التوافقات الداخلية فقط، بل جاء أيضاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية دفعت نحو البحث عن شخصية جديدة تحظى بقبول داخلي وخارجي في آن واحد.
وتشير تحليلات سياسية إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية فضّلت الدفع نحو وجوه جديدة بعيداً عن القيادات التقليدية التي حكمت العراق خلال العقدين الماضيين، في حين تعاملت القوى الإقليمية مع هذا التحول باعتباره أمراً واقعاً يستوجب التكيف معه، خصوصاً في ظل تعقيدات المشهد العراقي وتداخل المصالح الدولية فيه.
تحديات ما بعد الوصول
ورغم الزخم الذي رافق تكليف الزيدي، فإن التحديات التي تنتظره تبدو أكبر من مجرد تحقيق انتقال جيلي في السلطة. فالعراق ما زال يواجه ملفات معقدة تتعلق بالإصلاح الاقتصادي، ومحاربة الفساد، وتحسين الخدمات، وتنويع مصادر الدخل، فضلاً عن التوازنات السياسية الداخلية والعلاقات الخارجية المتشابكة.
كما أن نجاح التجربة الجديدة سيعتمد على قدرة الزيدي على تحويل خبرته الاقتصادية إلى سياسات حكومية فعالة، وإثبات أن الانتقال من عالم المال والأعمال إلى إدارة الدولة يمكن أن يحقق نتائج تختلف عن التجارب السياسية التقليدية التي حكمت البلاد خلال السنوات الماضية.
قراءة ختامية
لا يمثل علي الزيدي مجرد رئيس حكومة جديد، بل يعكس وصوله تحوّلاً في طبيعة النخبة التي تتصدر المشهد العراقي. فبعد أكثر من عشرين عاماً من هيمنة جيل سياسي واحد على مفاصل الدولة، برز رجل أعمال شاب نسبياً ليقود السلطة التنفيذية في لحظة مليئة بالتحديات والرهانات.
ويبقى السؤال الأهم: هل يشكل صعود الزيدي بداية لمرحلة جديدة تنقل العراق من إدارة الصراعات السياسية إلى إدارة التنمية والاقتصاد، أم أن تعقيدات النظام القائم ستجعل من هذا التغيير مجرد تبدل في الوجوه دون تغيير حقيقي في قواعد اللعبة السياسية؟






