حرية
كشفت مخرجات الاجتماع الأخير لوزراء خارجية دول الحوار الأمني الرباعي (كواد)، الذي يضم الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا، عن تحول لافت في طبيعة المواجهة الإستراتيجية مع الصين، حيث لم تعد المنافسة تقتصر على الجوانب العسكرية والأمنية، بل انتقلت إلى ميدان أكثر تأثيراً يتمثل بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد وشبكات البيانات العالمية.
وتعكس الخطط الجديدة للمجموعة توجهاً نحو بناء شبكة نفوذ اقتصادية وجيوسياسية تمتد عبر الموانئ والكابلات البحرية ومشاريع المعادن النادرة، في محاولة للحد من النفوذ الصيني المتنامي الذي توسع خلال السنوات الماضية عبر مبادرة “الحزام والطريق”.
من الردع العسكري إلى الجغرافيا الاقتصادية
شهد العقد الأخير تصاعداً في التنافس العسكري بين واشنطن وبكين، خصوصاً في بحر الصين الجنوبي ومحيط تايوان، إلا أن الحسابات الإستراتيجية بدأت تتغير مع إدراك القوى الكبرى أن السيطرة على طرق التجارة والطاقة والبيانات أصبحت لا تقل أهمية عن التفوق العسكري.
فاليوم تمر غالبية التجارة العالمية عبر الممرات البحرية الممتدة بين الخليج العربي وجنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ، فيما تنقل الكابلات البحرية أكثر من 95% من حركة البيانات الدولية، ما يجعل البنية التحتية الاقتصادية أداة رئيسية في رسم موازين القوة العالمية.
جزر المحيط الهادئ.. ساحة النفوذ الجديدة
ويبرز توجه “كواد” نحو دعم مشاريع البنية التحتية في فيجي كجزء من محاولة أوسع لتعزيز الحضور في جزر المحيط الهادئ، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى منطقة تنافس محتدم بين الصين والدول الغربية.
فبكين نجحت في توسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي داخل عدد من الدول الجزرية، ما أثار مخاوف متزايدة من تحول هذا الحضور إلى نفوذ إستراتيجي طويل الأمد يتيح للصين توسيع حضورها في خطوط الملاحة الدولية.
الكابلات البحرية.. المعركة الخفية
لم تعد المنافسة تتركز على الموانئ فقط، بل امتدت إلى البنية التحتية الرقمية، حيث تسعى دول “كواد” إلى تطوير شبكات اتصال وكابلات بحرية بديلة تقلل الاعتماد على الأنظمة المرتبطة بالصين.
ويأتي هذا التوجه في ظل تنامي أهمية البيانات بوصفها أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية والأمنية في القرن الحادي والعشرين، ما يجعل حماية مسارات نقل المعلومات أولوية إستراتيجية للدول الكبرى.
مشروع نيكوبار.. الرهان الهندي
في الجانب الآخر من المنافسة، تراهن الهند على مشروع “نيكوبار الكبرى” الواقع قرب مضيق ملقا، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويمنح المشروع نيودلهي فرصة لتعزيز حضورها اللوجستي والبحري في منطقة تمر عبرها النسبة الأكبر من واردات الطاقة المتجهة إلى الصين، ما يرفع من أهمية الهند في معادلة الأمن البحري الإقليمي.
قراءة في المشهد
تكشف تحركات “كواد” أن الصراع الدولي مع الصين دخل مرحلة جديدة تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة. فالمنافسة اليوم تدور حول من يمتلك الموانئ، ومن يسيطر على الكابلات البحرية، ومن يتحكم بسلاسل التوريد والمعادن النادرة وتدفقات البيانات.
وبذلك، أصبحت مشاريع البنية التحتية أدوات نفوذ إستراتيجي تعادل في أهميتها القواعد العسكرية والأساطيل البحرية، في وقت تسعى فيه دول “كواد” إلى بناء منظومة اقتصادية وأمنية موازية تحد من قدرة الصين على تحويل نفوذها التجاري إلى هيمنة جيوسياسية طويلة الأمد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.







