حرية
شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن إطلاق “مبادرة البحار الأربعة”، وهي مشروع استراتيجي يهدف إلى تحويل منطقة الشرق الأوسط من ساحة صراعات جيوسياسية إلى مركز عبور اقتصادي يربط الخليج العربي وبحر قزوين والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود عبر شبكة متكاملة من البنى التحتية للطاقة والنقل.
وخلال فعالية أقيمت في نادي الصحافة الوطني بواشنطن، أكد مسؤولون وخبراء في معهد “نيو لاينز” للاستراتيجية والسياسة أن المبادرة تستند إلى رؤية جديدة تجعل من العراق وسوريا وتركيا محوراً رئيسياً لربط موارد الطاقة الخليجية وأسواق آسيا الوسطى بالقارة الأوروبية.
وقال رئيس قسم الاستراتيجية في المعهد، عظيم إبراهيم، إن المشروع لا يندرج ضمن برامج المساعدات أو إعادة الإعمار التقليدية، بل يمثل استثماراً استراتيجياً يخدم المصالح الأمريكية والغربية من خلال تعزيز أمن الطاقة الأوروبي وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة المنافسة.
كما أوضح الباحث المشارك في المشروع تيمستوكليس أستينيديس أن المبادرة تستلهم تجربة “مبادرة البحار الثلاثة” الأوروبية التي انطلقت عام 2016 وأسهمت في تعزيز استقلالية الطاقة داخل أوروبا وتقليص النفوذ الروسي في هذا القطاع.
وفي السياق ذاته، أبدى مسؤولون سوريون وأمريكيون اهتماماً بالمشروع، فيما أشار منظمو المؤتمر إلى وجود دعم سياسي متزايد له داخل الولايات المتحدة، خاصة بعد إعلان عضو الكونغرس الأمريكي Joe Wilson استعداده لتبني مخرجات المبادرة وتحويلها إلى مقترحات تشريعية داخل الكونغرس.
مشروع اقتصادي أم إعادة هندسة جيوسياسية؟
لا تبدو “مبادرة البحار الأربعة” مجرد مشروع لنقل النفط والغاز، بل تمثل رؤية أمريكية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية والجيوسياسية في الشرق الأوسط بعد سنوات من الحروب والأزمات.
فالمشروع يستند إلى متغيرات جديدة فرضتها الأزمات المتكررة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، والتي كشفت هشاشة الاعتماد العالمي على عدد محدود من الممرات البحرية. ومن هنا تسعى واشنطن إلى إنشاء بدائل برية وأنبوبية تقلل المخاطر وتضمن استمرار تدفق الطاقة نحو أوروبا والأسواق العالمية.
ويمثل العراق أحد أبرز المستفيدين المحتملين من هذه الرؤية، إذ يمكن أن يتحول إلى عقدة رئيسية في شبكة الطاقة الإقليمية عبر مشاريع مثل خط كركوك – بانياس، وربط حقول الجنوب العراقي بالموانئ السورية على البحر المتوسط، وهو ما يمنح بغداد خيارات تصدير أوسع بعيداً عن الضغوط المرتبطة بالخليج ومضيق هرمز.
كما تكشف المبادرة عن توجه أمريكي متزايد لدمج العراق وسوريا اقتصادياً ضمن منظومة إقليمية جديدة، وهو ما يفسر التركيز على مشاريع الربط النفطي والغازي والكهربائي بين البلدين، وربطها لاحقاً بتركيا وأوروبا.
ماذا تعني المبادرة للعراق؟
- تنويع منافذ تصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز.
- تعزيز موقع العراق كمركز إقليمي للطاقة والنقل.
- جذب استثمارات ضخمة في قطاعات البنية التحتية والطاقة.
- توسيع الشراكات الاقتصادية مع الولايات المتحدة وأوروبا.
- زيادة فرص التكامل الاقتصادي مع سوريا وتركيا.
التحديات المحتملة
رغم الطموحات الكبيرة للمشروع، فإنه يواجه تحديات معقدة، أبرزها:
- الحاجة إلى استثمارات بمئات المليارات من الدولارات.
- استمرار التوترات الأمنية في بعض مناطق العبور.
- التنافس الإقليمي والدولي على مسارات الطاقة.
- الخلافات السياسية بين بعض الدول المعنية.
- تعقيدات إعادة إعمار البنية التحتية السورية.
وبذلك، تبدو “مبادرة البحار الأربعة” محاولة أمريكية لتأسيس ممر اقتصادي جديد يمتد من الخليج إلى أوروبا، مستفيداً من موقع العراق وسوريا وتركيا، في خطوة قد تعيد رسم خريطة الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط خلال العقد المقبل إذا ما نجحت في تجاوز العقبات السياسية والأمنية والمالية.





