حرية
تصريحات رئيس الوزراء علي الزيدي تحمل أكثر من بُعد اقتصادي وسياسي، ويمكن قراءتها باعتبارها جزءاً من تحول أوسع في خطاب الدولة تجاه نموذج إدارة الاقتصاد في العراق، وليس مجرد إعلان نوايا.
أول ما يلفت الانتباه هو عبارة “الخروج من العقلية الاشتراكية”. هذا توصيف سياسي-اقتصادي واضح يشير إلى رغبة في تقليص دور الدولة كجهة تشغيلية مباشرة، والانتقال نحو نموذج اقتصاد السوق أو ما يشبه “الرأسمالية المنظمة”. في السياق العراقي، هذا يعني عملياً: تقليل التوظيف الحكومي، إعادة هيكلة الشركات العامة، وفتح المجال أمام القطاع الخاص المحلي والأجنبي ليكون المحرك الأساسي للنمو.
لكن هذا التحول ليس تقنياً فقط، بل مرتبط بمشكلة مزمنة في الاقتصاد العراقي: الاعتماد شبه الكامل على الدولة بوصفها أكبر رب عمل وممول عبر النفط. لذلك، أي حديث عن “هوية اقتصادية جديدة” هو محاولة لكسر هذا النموذج، لكنه يصطدم بواقع اجتماعي حساس، لأن أي تقليص لدور الدولة ينعكس مباشرة على الوظائف والدخل العام.
الشق الثاني في التصريحات يتعلق بـ“جذب الشركات العالمية”. هذه ليست مجرد دعوة استثمارية عامة، بل رسالة موجهة لتحسين صورة العراق أمام المستثمر الأجنبي، خصوصاً في ملفات الطاقة والبنى التحتية. لكن نجاح هذا الهدف يعتمد على عاملين حاسمين: الاستقرار الأمني واستقرار القوانين. وهنا تظهر نقطة حساسة في النص: ربط الزيدي بين الاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني كـ“ثلاثية تأسيسية”، وهو اعتراف ضمني بأن أي خلل في أحدها ينسف الآخر.
أما قوله إن “الدولة وحدها يجب أن تمتلك القوة”، فهو إشارة سياسية وأمنية مباشرة إلى ملف حصر السلاح بيد الدولة. هذا التصريح لا ينفصل عن النقاش الداخلي حول الفصائل المسلحة، ويعكس محاولة لإعادة ضبط البيئة الأمنية باعتبارها شرطاً للاستثمار، وليس فقط قضية سيادية.
في جانب آخر، حديثه عن “عدم السماح بالابتزاز أو عرقلة الشركات الأجنبية” يحمل رسالة مزدوجة:
من جهة، طمأنة للمستثمرين بأن الحكومة تحاول تقليل المخاطر غير الاقتصادية (مثل النفوذ غير الرسمي أو الضغوط الأمنية). ومن جهة أخرى، هو رسالة داخلية بأن الدولة تحاول فرض مركزية القرار الاقتصادي ومنع تعدد مراكز القوة التي قد تؤثر على الاستثمار.
لكن التحدي الحقيقي هنا أن هذه الرؤية تصطدم بثلاث عقبات رئيسية:
اقتصاد ريعي معتمد على النفط يجعل التحول بطيئاً وصعباً.
بيئة أمنية وسياسية غير مستقرة نسبياً تؤثر على قرارات الاستثمار طويلة الأمد.
بنية مؤسساتية وقانونية تحتاج إصلاحاً عميقاً لضمان الشفافية وحماية رأس المال.
بالتالي، يمكن اعتبار الخطاب خطوة “توجيهية استراتيجية” أكثر من كونه خطة تنفيذية جاهزة. نجاحه يعتمد ليس على الإعلان، بل على قدرة الحكومة على ترجمة هذه الرؤية إلى إصلاحات فعلية في قوانين الاستثمار، القطاع المصرفي، إدارة الدولة، وضبط البيئة الأمنية.
إذا أردت، أستطيع
ربط هذا الخطاب بتطورات العراق الاقتصادية الأخيرة أو
مقارنته بتجارب دول خرجت من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد السوق.







