حرية
أفادت مصادر مطلعة، يوم الثلاثاء، بأن رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يدرس إجراء تغييرات واسعة في المناصب العليا داخل هيئة الحشد الشعبي خلال المرحلة المقبلة، في ظل ضغوط سياسية وأمنية متزايدة تحيط بملف الهيئة ومستقبل قيادتها.
وقالت المصادر إن التغييرات المقترحة قد تشمل مناصب قيادية بارزة، من بينها رئاسة هيئة الحشد الشعبي ورئاسة أركانها، فضلاً عن مواقع أخرى يشغلها مسؤولون مرتبطون بفصائل مسلحة.
وبحسب المصادر، فإن أحد الخيارات المطروحة يتمثل في إسناد عدد من المناصب إلى ضباط من الجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب، إلى جانب الإبقاء على شخصيات من داخل هيئة الحشد، في محاولة لإعادة ترتيب البنية القيادية للهيئة وتعزيز ارتباطها بالمؤسسات العسكرية الرسمية.
وأوضحت أن المقترح لا يزال قيد الدراسة ولم يتحول إلى قرار نهائي، فيما تجري مناقشة التداعيات السياسية والأمنية المحتملة لأي تغيير، خصوصاً في ظل حساسية العلاقة بين الحكومة والفصائل المسلحة.
وأضافت المصادر أن أحد أبرز دوافع التوجه الحكومي يتمثل في تحصين هيئة الحشد الشعبي من تداعيات محتملة خلال المرحلة المقبلة، سواء على المستوى العسكري أو المالي والاقتصادي، ومن بينها احتمال تعرض الهيئة أو بعض قياداتها لعقوبات دولية، ولا سيما أميركية، في حال استمرار تولي شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة مواقع قيادية مؤثرة.
ويأتي ذلك في وقت يتصاعد فيه الجدل حول مستقبل الحشد الشعبي وعلاقته بالدولة، بالتزامن مع الضغوط الرامية إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية وتعزيز التسلسل القيادي للدولة على مختلف التشكيلات الأمنية والعسكرية.
صراع النفوذ داخل الهيئة
ولا تُعد فكرة تغيير قيادة الحشد جديدة، إذ سبق أن شهدت الساحة السياسية العراقية نقاشات حادة بشأن مستقبل رئيس الهيئة فالح الفياض، حيث دعا زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي في آذار 2024 إلى استبداله، مستنداً إلى اعتراضات تتعلق بمدة بقائه في المنصب والجمع بين رئاسة الهيئة والعمل السياسي.
في المقابل، عارضت قيادات في فصائل أخرى طرح إقالة الفياض، قبل أن ينفي الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري في كانون الثاني 2025 وجود قرار داخل الإطار التنسيقي بإقالته. كما نفت هيئة الحشد في تموز من العام نفسه صحة وثيقة متداولة تحدثت عن إقالته وإحالته إلى التقاعد.
ماذا تعني التغييرات إذا أُقرت؟
إذا تحولت المقترحات الحالية إلى قرار فعلي، فإنها قد تمثل إعادة توزيع مهمة لمراكز النفوذ داخل هيئة الحشد الشعبي، خصوصاً إذا أُسندت المناصب العسكرية الأساسية إلى ضباط مهنيين من مؤسسات الدولة.
ومن شأن هذا الخيار أن يعزز قدرة رئيس الوزراء، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، على ضبط التسلسل القيادي داخل الهيئة، لكنه في الوقت نفسه قد يواجه مقاومة سياسية من القوى والفصائل التي ترى في مواقع القيادة داخل الحشد جزءاً من توازنات سياسية وأمنية تشكلت منذ عام 2014.
كما أن ربط التغييرات بمخاوف العقوبات الدولية يكشف عن بُعد آخر للخطوة؛ فالحكومة لا تتحرك فقط لإعادة تنظيم المؤسسة عسكرياً، وإنما تسعى، وفق المصادر، إلى تقليل المخاطر المالية والسياسية التي قد تنتج عن استهداف شخصيات أو مؤسسات عراقية مرتبطة بفصائل مسلحة.
من «قوة استثنائية» إلى مؤسسة عسكرية
وتعود الجذور الرسمية للحشد الشعبي إلى حزيران 2014، عندما أُنشئت التشكيلات لمواجهة تنظيم داعش، قبل أن يُعاد تنظيم الهيئة لاحقاً بموجب أوامر حكومية، ثم أقر مجلس النواب قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016، الذي جعلها جزءاً من القوات المسلحة ومرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة.
لكن الإشكالية التي رافقت الهيئة منذ ذلك الحين تتمثل في الفجوة بين وضعها القانوني كمؤسسة رسمية وبين استمرار ارتباط بعض قياداتها وفصائلها بشبكات سياسية وعسكرية خارج التسلسل التقليدي للمؤسسة العسكرية.
ومن هنا، فإن أي تغيير في المناصب العليا لن يكون مجرد تعديل إداري، بل قد يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على إعادة تعريف الحشد باعتباره مؤسسة عسكرية خاضعة بالكامل للدولة، من دون الدخول في مواجهة سياسية أو أمنية مع القوى التي تمتلك نفوذاً داخله.
والسؤال الأبرز في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: من سيخلف الفياض؟ بل: من سيمتلك القرار الفعلي داخل الحشد، الدولة أم التوازنات الفصائلية؟







