حرية
لا تتوقف فاتورة التصعيد العسكري في اليمن عند أعداد القتلى والجرحى وحجم الدمار، فالحرب تترك آثاراً أعمق على حياة النساء، اللواتي يتحملن أعباء متزايدة داخل الأسرة والمجتمع، وسط تراجع فرص العمل، وتقييد الحركة، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية، ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين.
ومع استمرار التوترات العسكرية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، تواجه آلاف اليمنيات أزمات متراكمة تبدأ بالنزوح وفقدان مصادر الدخل، وتمتد إلى تحمل مسؤولية إعالة الأسر ورعاية الأطفال والمرضى، فضلاً عن مخاطر العنف والاستغلال والتسرب من التعليم والزواج المبكر.
الحرب تغيّر أدوار النساء
أجبرت سنوات الصراع كثيراً من النساء على تولي أدوار اقتصادية وأسرية لم تكن تقع على عاتقهن قبل الحرب، خصوصاً بعد فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل.
وفي الأسر التي تعيش تحت ضغط الفقر، أصبحت الأولوية لتأمين الطعام والمياه والاحتياجات اليومية، بينما تراجعت احتياجات أخرى، بينها التعليم والرعاية الصحية، إلى مراتب متأخرة.
ولا تقتصر الأزمة على الجانب الاقتصادي، إذ تواجه النساء في مناطق سيطرة الحوثيين قيوداً على الحركة والتنقل، من بينها اشتراط وجود محرم في بعض حالات السفر والتنقل بين المحافظات أو الخروج للعمل.
وتقول طبيبة تعمل ميدانياً في محافظة إب إن هذه القيود أثرت في قدرتها على الوصول إلى المناطق النائية وتقديم الخدمات الصحية للنساء والأطفال.
وتوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الوصول إلى القرى وتقديم الرعاية الطبية أصبح أكثر صعوبة عندما لا يتوفر شخص لمرافقتها، مشيرة إلى أن المشكلة لا تطال العاملات في المجال الطبي فقط، وإنما تنعكس أيضاً على النساء في المناطق المعزولة اللواتي يحتجن إلى خدمات الحمل والولادة والرعاية الصحية الطارئة.
الاحتجاز يضيف طبقة جديدة من الخوف
إلى جانب النزوح والقيود على الحركة، تتحدث مصادر حقوقية عن تعرض نساء في مناطق سيطرة الحوثيين للاحتجاز والاستدعاء والضغوط، ولا سيما الناشطات والإعلاميات والعاملات في المجال المدني.
وتروي ناشطة حقوقية من صنعاء، فضّلت عدم الكشف عن هويتها، أنها قضت نحو ثلاثة أشهر في مركز احتجاز بعد مشاركتها في مبادرة لتوزيع مساعدات غذائية، مؤكدة أن الضغوط امتدت إلى أسرتها التي تعرضت، وفق روايتها، للتهديد بهدف وقف نشاطها.
وتشير المصادر نفسها إلى ضغوط تتعرض لها نساء وفتيات في ما يتعلق بالتعبئة والنشاط المرتبط بالهياكل النسائية التابعة للحوثيين، الأمر الذي يضيف بعداً آخر إلى المخاطر التي تواجهها النساء في مناطق الجماعة.
الصحة والتعليم يدفعان ثمن الانهيار
وتلقي الأزمة الإنسانية بثقلها على صحة النساء والفتيات، في ظل تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي يصعّب الحصول على خدمات الصحة الإنجابية والرعاية خلال الحمل والولادة.
وفي المقابل، يدفع الفقر المتزايد بعض الأسر إلى إخراج بناتها من المدارس أو تزويجهن في سن مبكرة، باعتبار ذلك، في بعض الحالات، وسيلة للتعامل مع الظروف الاقتصادية القاسية.
وتقول أسماء، وهي أم لفتاتين من محافظة حجة، إن فقدان أسرتها مصدر دخلها دفعها إلى تزويج ابنتها الكبرى عندما كانت في الرابعة عشرة، واصفة القرار بأنه اضطراري في ظل عجز الأسرة عن تأمين احتياجاتها الأساسية.
وتعكس هذه الشهادة جانباً من الكلفة غير المرئية للحرب، حيث لا يظهر أثر النزاع فقط في ساحات القتال، وإنما في مستقبل جيل كامل من الفتيات اللواتي قد يفقدن فرص التعليم والاستقلال الاقتصادي نتيجة الفقر والنزوح.
النازحات.. معركة يومية من أجل البقاء
تتحمل النساء جانباً كبيراً من أعباء النزوح، خصوصاً عندما تفقد الأسرة معيلها أو تضطر المرأة إلى إعالة أطفالها بمفردها.
وتجسد أم عبير، وهي نازحة من الحديدة تقيم في مخيمات مأرب، جانباً من هذه المعاناة، بعدما اضطرت أسرتها إلى الفرار مع اشتداد المواجهات، وأصبحت المعيلة الوحيدة لأطفالها الستة إثر وفاة زوجها بسبب مرض عضال.
وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنها لم تتمكن من أخذ شيء معها، وإنها تعيش في خيمة تفتقر إلى أبسط المقومات، وتعمل في غسل الملابس لتوفير الطعام لأطفالها.
وتحول النزوح بالنسبة إلى أم عبير من مجرد فقدان المنزل إلى معركة يومية لتأمين الغذاء والمياه والرعاية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع المساعدات الإنسانية.
أرقام تكشف حجم الأزمة
ولا تأتي المخاوف بشأن أوضاع النساء اليمنيات من الشهادات الفردية وحدها، إذ حذر صندوق الأمم المتحدة للسكان من الأعباء المتزايدة التي تواجه النساء والفتيات نتيجة النزاع والنزوح والانهيار الاقتصادي.
وبحسب بيانات الصندوق، كان نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة معرضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في اليمن خلال عام 2025، فيما كانت أكثر من 90 في المائة من المناطق الريفية تفتقر إلى الخدمات اللازمة للوقاية من هذا العنف والاستجابة له.
وتعني هذه الأرقام أن أي تصعيد عسكري جديد لا يبدأ من نقطة الصفر، بل يقع فوق مجتمع أنهكته سنوات من النزوح والفقر وتدهور الخدمات.
أزمة تتجاوز صوت المدافع
تكشف أوضاع النساء في اليمن أن الحرب لا تقاس فقط بما تخلفه العمليات العسكرية من خسائر مباشرة، بل أيضاً بما تتركه من آثار اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد.
فحين تفقد المرأة مصدر دخلها، أو تُمنع من الوصول إلى العمل والرعاية الصحية، أو تضطر إلى النزوح، أو تفقد ابنتها حقها في التعليم، فإن آثار الحرب تنتقل من جيل إلى آخر.
ومع التحذيرات الدولية من مخاطر عودة اليمن إلى صراع واسع النطاق، فإن تجدد المواجهات قد يعني إعادة إنتاج الأزمات نفسها على نطاق أكبر، في بلد لا تزال شرائح واسعة من سكانه تكافح للبقاء.
وفي قلب هذه الأزمة تقف المرأة اليمنية أمام معادلة شديدة القسوة: تواجه الحرب في الخارج، وتحمل تبعاتها الثقيلة داخل المنزل، فيما تتقلص أمامها الخيارات عاماً بعد آخر.







